Louay Fatoohi's Blog

الفصل (12) حُسَينُ الكَسْنَزان: شاهُ الخَلوَةِ الزّاهِدِ

Share

الصورة الوحيدة للشيخ حُسَين الكَسْنَزان، وتاريخها في آخر حياته، وفي صحبته محمد سعيد أفندي (آغا)، قائمقام قضاء چمچمال (ربما النصف الثاني من 1938).

«حقيقة الزُهد ترك الدنيا وترك الآخرة، ترك الشهوات واللذّات، وترك الوجود، وطلب الحالات والدرجات والكرامات والمقامات، وكل شيء سوى رب البريات، حتى لا يبقى إلاّ الخالق عز وجل. إليه المنتهى، وهو غاية الآمال. إليه تصير الأمور».

الشيخ عبد القادِر الگيلاني (جلاء الخاطر، ص 24)

كان عمر الشيخ عبد القادِر واحد وعشرون عاماً حين رُزِقَ بأول أبناءه حُسَين في كَرْبْچْنَه عام 1888. وكما مرّ بنا، جاهد الشيخ حُسَين مع والده ضد القوات الروسية وبعدها ضد قوات الاحتلال البريطاني وهاجر معه إلى إيران. وكان عمر الشيخ حُسَين أربعة وثلاثون عاماً حين جلس على سجّادة الطريقة بعد وفاة والده عام 1922. وكان من أول ما قام به هو إعادة جثمانه ليدفنه بجوار الشيخ عبد الكريم شاه الكَسْنَزان. ثم عاد إلى إيران مع عائلته، التي صاحبته في تشييع الجثمان إلى العراق، ولكنّه ترك المهجر وعاد مع العائلة للاستقرار في كَرْبْچْنَه في النصف الثاني من عام 1923. وأعاد الشيخ حُسَين بناء القرية والمسجد والتكية الذين أحرقهم الجيش البريطاني.

وفيما يلي إحدى كرامات اصطفاء الشيخ حُسَين لمشيخة الطريقة. بعد وفاة الشيخ عبد القادِر الكَسْنَزان، أنكر عدد من الخلفاء اختياره لابنه حُسَين وأخذوا بادّعاء مشيخة الطريقة، وهو ذنب جسيم سهّل لهم ارتكابه قضاء الشيخ عبد القادِر أعوام حياته الثلاثة الأخيرة مهاجراً في إيران وتوفيه هناك بعيداً عن كَرْبْچْنَه وقضاء الشيخ حُسَين للعام الأول بعد وفاة والده في إيران. كان للشيخ عبد القادِر خليفة من كبار الأولياء اسمه مُحَمَّد باوه، من منطقة گيرمَيان، جنوب كركوك. جاء هذا الخليفة يوماً إلى كَرْبْچْنَه وفي معيّته أكثر من ثلاثمائة درويش، فنصبوا خيامهم قبل أن يذهب الخليفة لزيارة مرقد الشيخ. كان الشيخ حُسَين في حينها يزور مزارعَ له خارج القرية.

ضريح الشيخ حُسَين الكَسْنَزان في كَرْبْچْنَه (19 آذار 2016).

حين دخل الخليفة مُحَمَّد لزيارة المرقد كان قريب للشيخ عبد القادِر اسمه «سلام» من الرافضين لخلافة الشيخ حُسَين جالساً أمام مرقد شاه الكَسْنَزان يقرأ القرآن بصوت خافت، علماً بأنه بين مرقدي شاه الكَسْنَزان والشيخ عبد القادِر توجد مراقد أولاد شاه الكَسْنَزان الآخرين. كان موقع جلوس الخليفة سلام، وهو راوي ما حدث خلال الزيارة، يجعله غير مرئياً من باب الروضة الذي يؤدي إلى المراقد، فلم يعلم الخليفة مُحَمَّد بوجوده. سلّم الأخير على الراقدين من الباب، فإذا بالشيخ عبد القادِر يجيب من مرقده: «وعليك السلام ورحمة الله خليفة مُحَمَّد». ولما كان سلام من أبناء أعمام الشيخ عبد القادِر وأحد خلفائه وقد صاحَبَه لسنين طويلة فإنه أدرك أن ذلك صوته وأسلوب كلامه، فتوقّف عن قراءة القرآن وبقي صامتاً يتنصّت لما يدور. قال الخليفة مُحَمَّد: «يا شيخ، لقد تفرّق أمر الدراويش بعدك، فبحق الله، بحق الرسول ﷺ، بحق شاه الكَسْنَزان، من هو وكيلك؟ من هو الشيخ بعدك؟» أجاب الشيخ عبد القادِر: «يا بني، إن حُسَين هو وكيلي. اذهب إلى حُسَين». ما إن ردّ الشيخ عبد القادِر حتى شعر الخليفة سلام بسعلة لم يستطع أن يكبحها، فلما سعل، سكت الشيخ عبد القادِر وكذلك سكت الخليفة مُحَمَّد، ثم غادر الخليفة مُحَمَّد الروضة الشريفة، فتبعه سلام.

وشاهدا الشيخ حُسَين عن بعد عائداً إلى القرية ممتطياً فرسه، فبقيا واقفَين أمام باب المراقد حتى وصل. فتقدّم إليه الخليفة مُحَمَّد وأمسك بلجام فرسه وخاطبه بشأن مشيخة الطريقة، فأجابه الشيخ حُسَين بأن هنالك الكثير ممن يريدون أن يكونوا مشايخ طريقة يستطيع الدراويش الذهاب إليهم. ولكن الخليفة أجابه: «أخبرني السلطان عبد القادِر تواً «حُسَين هو وكيلي»، فأنت وكيله». فلما سمع الشيخ حُسَين ذلك، ترجّل عن فرسه. بعد هذه الكرامة عاد الدراويش المنكرين لوراثة السلطان حُسَين وبايعوه أستاذاً للطريقة، خصوصاً وأن الخليفة سلام، الذي سمع بنفسه أمر السلطان عبد القادِر، كان من المعارضين لجلوس الشيخ حُسَين على سَجّادة الطريقة.

أضرحة مشايخ الطريقة الكَسْنَزانيّة وجزء من قرية كَرْبْچْنَه (19 آذار 2016).

زار الشيخ الأزهري الكبير عبد الحليم محمود في شبابه السلطان حُسَين وأقام هنالك لفترة في كَرْبْچْنَه. وأكمل الشيخ عبد الحليم دراسته الجامعية ونال درجة عالم في مصر في 1932 ثم التحق في نهاية عام 1937 بالبعثة الأزهرية في السوربون في فرنسا وبقي هنالك حتى حصل على شهادة الدكتوراه في عام 1940. ولما كان انتقال السلطان حُسَين إلى عالم الأرواح في بداية عام 1939، نستطيع أن نحصر تاريخ ذهاب الشيخ عبد الحليم إلى كَرْبْچْنَه في الفترة 1932-1937. ويبدو أن من معالم تأثير زيارته للشيخ حُسَين الكَسْنَزان هو اختياره لأن يكون بحثه للدكتوراه عن التصوّف الإسلامي، وعلى وجه التحديد عن المتصوف المعروف الحارث بن أسد المُحاسِبي (ت 243 هـ). وأصبح عبد الحليم محمود شيخ الأزهر من عام 1973 حتى وفاته عام 1978.[1]

كان الشيخ حُسَين كثير المساعدة للفقراء والمحتاجين. فحين اشترى قرية كَرْبْچْنَه وقرية ژالا قال للفلاحين بأنه لن يأخذ عشر المحصول الذي كانوا يدفعونه لأصحاب تلك الأراضي كأجرة، ولكنّه سيقبله على أنه مال زكاة للتكية، أي مالٌ لا يُستخدم إلا في سبيل الله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة/60). ويعني ذلك للفلاح أن استثمار الأرض كان مجّاناً لأن الزكاة فريضة في كل الأحوال حتى لو كان صاحب الأرض يأخذ من الفلاح أجراً على زرع الأخير لها. بل وعاكس السلطان حُسَين في سلوكه مالكي الأراضي، حيث اشترى عدة قرى ووزّع أراضيها على فلاحيها. وخصّص الشيخ مرتّبات لأكثر من خمسين عائلة من اليتامى والفقراء. وبقيت عائلته فترة بعد وفاته تعيش على كمية محدودة من الخبز فقط لأنه كان ينفق كل ما يأتيه في سبيل الله.

ومن مآثره أن امرأة جاءت تريد مقابلته، فقيل لها بأنه مشغول بعباداته، ولكنها أصرت على أن يخبروا الشيخ بأن أرملة لديها أيتام تريد أن تسلّم عليه، فأذن لها الشيخ أن تزوره. فلما دخلت عليه أخبرته بأنها أم أيتام وأنها لا تريد التسوّل من الناس ولذلك فإنها تطلب مساعدته. ولكن شيخ الزاهدين لم يكن لديه مال يساعدها به، كما أنّه لم يرد أن يردّها فارغة اليدين، فقلع بيده سناً ذهبياً من فمّه وأعطاه لها لتبيعه وتعيل به نفسها وأيتامها.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في جلسة مدائح، تكية بغداد، (التسعينيات).

من كرامات الشيخ حُسَين الكثيرة أن الناس كانت تسمع من حوله أصوات الجن المسلمين يذكرون الله. وفي إحدى الخلوات أخبر الشيخ حسين الدراويش الذين كانوا في خلوة معه، وكان عددهم بين أربعين إلى خمسين، بأنهم سيرون في تلك الليلة نور ذكر «لا إله إلا الله». وفي الليل، شاهد الجميع منارة من نور تأتي من جهة القبلة تمر على كل درويش في مكان خلوته قبل أن تغادر في اتجاه مدينة السليمانية. وشاهد النور حتى أهل قرية كَرْبْچْنَه الذين لم يكونوا في الخلوة.[2]

وروى الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد كرامة مذهلة للسلطان حُسَين معقّدة التفاصيل. في ليلة ما بعد انتقال الشيخ عبد الكريم قال له المشايخ بأن السلطان حُسَين أخذ الشيخ علي إلى حضرة الرسول ﷺ بواسطة صلوات. لم يدرِ أستاذنا من هو الشيخ علي، علماً بأن لقب «شيخ» يستخدم في شمال العراق لمن هو من سلالة النبي ﷺ، ولا الصلوات ولا تفاصيل ما أشار إليه التبليغ. بعد مدة طويلة كان يوماً في بغداد حين سمع بأن الملا علي فتح الله كان جاء إلى بيت ابنه محمد في بغداد ليأخذه إلى الطبيب لأنه كان مريضاً. كان محمد طالب شريعة في الإمام الأعظم وكانوا قد جعلوه إماماً لمسجدٍ قديمٍ صغيرٍ مقابل ما كان يُعرَف حينئذ بدار صدّام للمخطوطات. كان شيخنا يحبّ الملا علي كثيراً لأنه كان من الصالحين والعلماء الطيبين وكان يزور شيخنا باستمرار في كركوك فكان شيخنا يراه أخاً عزيزاً، فأخذ بعض المقرّبين منه وذهبوا لعيادته.

أخبر الملا علي شيخنا بأن عزّت الدّوري، الذي كان الرجل الثاني في الدولة، زاره في المسجد، وكان الدّوري قد أخذ بيعة الطريقة الكَسْنَزانيّة من الشيخ عبد الكريم في الخمسينيّات وكان محبّاً للطرق الصوفية بشكل عام، وروى حديثاً دار بينهما. إذ سأله الملا علي إن كان قد شاهد من كرامات الشيخ عبد القادِر الگيلاني، فأجاب بالنفي. فسأله عن سبب حبّه للغوث الأعظم، فقال الدّوري بأنه يحبّه من غير سبب. قال الملا علي بأنه قد رأى من كرامات الگيلاني، فطلب منه الدّوري أن يحدّثه عنها.

مسجد كَربْچنْهَ وأمامه الكهف تحت الأرض الذي أختلى فيه شاه الكَسْنزَان ومن بعده الشيخ حسين الكَسْنزَان، وقد أقام عليه الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنزَان بناءً لحفظه (19 آذار 2016).

قال الملا علي بأنه حين كان تلميذاً أرسله علماء ومشايخ برسالة إلى الشيخ مُحَمَّد الحفيد في بغداد. في يوم قال للحفيد بأنه يريد أن يبيت في الحضرة القادِريّة فأذن له. في الليل، كان جالساً ومتكئاً على وسادته ومستقبلاً القِبلة من خلال المرقد الشريف حين سمع صوت رجل وراءه يقرأ الصلاة التالية:

«الله صلِّ وسلِّم وبارِك على روح سيّدنا مُحَمَّد في الأرواح، وعلى جَسَدِهِ في الأجساد، وعلى قبرِهِ المُنير بين القُبور، وعلى قلبِهِ الشريف فهو نور».

حين سمع وصف قلب النبي ﷺ بأنه نور، تساءل الملا علي في نفسه عن معنى هذا الوصف. فإذا به يرى رجلين يأتيان بعمود ويثبّتانه في الأرض، ثم جاءا بقلبٍ كبير ووضعاه على الوتر، فنوّر طريقاً معبّداً يمتدّ من مرقد الشيخ عبد القادِر في بغداد إلى مرقد الرسول ﷺ في المدينة، ثم قالا بأن هذا هو معنى «وعلى قلبِهِ الشريف فهو نور».

حينئّذ تذكّر شيخنا رؤياه التي قالوا فيه فيها بأن السلطان حُسَين أخذ الشيخ علي إلى النبي ﷺ عن طريق صلاة. من الواضح أن الصوت الذي سمعه الملا علي يقرأ الصلاة هو السلطان حُسَين، وهو أمر لم يكن يعلمه الملا علي. فطلب أستاذنا من الملا علي أن يكتب له تلك الصلاة.[3]

روضة مشايخ الطريقة الكَسْنَزانيّة في كَرْبْچْنَه (19 آذار 2016).

فوّض الشيخ حُسَين إلى أخيه عبد الكريم وهو شابٌ صغير الكثير من أمور الطريقة والمريدين، لكي يتفرّغ أكثر للعبادة. وفي أواخر حياته، كان في خلوة دائمة فجعل الشيخ عبد الكريم الوسيلة التي تربطه بالمُريدين، وأمر المريدين بالاتّجاه نحو شيخ المستقبل وأخبرهم بأن كل أمور الطريقة أصبحت في يده، فيما بقي في خلوة شبه مستمرّة حتى غدا يُعرَف بلقب «شاه الخلوة» حتى وافاه الأجل.

كما كان الشيخ حُسَين مشغوفاً بالجبال والتنقل فيها حتى أُطلِقَ عليه لقب «سلطان الجبال». فكان يذهب للتعبّد في الجبال بعد منتصف الليل. كما كان يرقد بين الشوك حتى الصباح ترويضاً لنفسه. وكان يختلي أحياناً في خلوة جده شاه الكَسْنَزان على سفح جبل سه گرمه وفي أحيان كثيرة أخرى في خلوة جدّه الأخرى في حفرة تحت الأرض أمام المراقد في كَرْبْچْنَه. كما قضى صيف أحد الأعوام مختلياً في گيلان آوى.

كان السلطان حُسَين مأموراً بجهاد النفس من قبل النبي ﷺ. حين كان يتعبّد في الحفرة أمام مسجد كَرْبْچْنَه كان يقوم على خدمته درويش اسمه «عبد الكريم»، حيث يبقى قريباً منه إلى حوالي منتصف الليل بانتظار طلبه لقدح الشاي الأخير، فيجلبه له ثم يتركه يكمل عبادته لوحده ويذهب للنوم في بيته الذي كان يبعد عن الخلوة حوالي مئة متر. وكان السلطان حُسَين يشرب الشاي مُحلّى بالعسل بدل السكّر.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان أثناء دعاء بعد ورد العصر في حوش تكية عمان، الأردن (17 نيسان 2015).

وفي ليلة بقي الشيخ حُسَين مشغولاً تماماً بعباداته حتى مرَّ الوقت الذي يطلب فيه عادة قدح الشاي الأخير. أثناء انتظار عبد الكريم لطلب الشيخ أخذ ينتابه شعور بأن بركة ورحمة تملأ المكان، وأخذ يرى أشياءً صغيرة برّاقة تهبط من السماء على السلطان حُسَين المشغول عنها بعبادته. وتأخر الوقت كثيراً فشعر الدرويش بالتعب والنعاس، وبدا له بأن الشيخ سيبقى على حاله هذا منغمساً في ذكره وصلاته ولن يطلب قدح الشاي، فتسلل بهدوء لكي لا يؤثّر عليه وذهب إلى بيته.

حين وصل البيت دخل مباشرة إلى فراشه وتدثّر بالغطاء، فإذا به يسمع صوت السلطان حُسَين في البيت يناديه: «عم عبد الكريم»، فأجاب الخليفة ونهض من الفراش ينظر حوله ولكن لم يرى الشيخ، فتوجّه إلى خلوته. حين دخلها، وجد السلطان حُسَين لايزال جالساً في نفس الوضع الذي تركه عليه. فنظر إليه هذه المرة وأشار إليه بيده طالباً قدح الشاي. أثناء تجهيزه الشاي ناشد شيخه بقلبه: «أنت صائم عن الطعام، وهذا العسل لاسع يؤذي المعدة، فالأفضل تحلية الشاي بالسكر بدل العسل». فنظر إليه السلطان حُسَين مباشرة وقال له: «عم عبد الكريم، والله لا يوجد بيني وبين حضرة الرسول ﷺ أي حاجز»، ومد يده باسطاً كفّه مبيناً عدم وجود أي حاجز. ثم استطرد قائلاً: «هو يأمرني ويقول: «حُسَين، اشرب كذا، كل كذا، اذكر كذا». أنا لا أقوم بأي فعل بإرادتي، إلا بأمر من حضرة الرسول ﷺ». ففهم الخليفة بأن هذا ردﱞ على طلبه أن يستعمل سكراً بدل العسل في الشاي. فحتى طريقة تحلية الشيخ حُسَين للشاي الذي يشربه كان بأمر من الرسول ﷺ.

منظر من الداخل للكهف الصغير الذي تحت الأرض الذي أختلى فيه شاه الكَسْنزَان ومن بعده الشيخ حسين الكَسْنزَان، وقد أقام عليه الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنزَان بناءً لحفظه (19 آذار 2016).

قضى الشيخ حُسَين الأعوام الأربعة الأخيرة من حياته في حالة صوم مستمر، حتى أنه بقي أكثر من ستة أشهر لا يشرب الماء، مكتفياً بشرب القليل من الشاي فقط. كما كان يشرب الماء المغلي مع نوع من الأعشاب الشوكية الموجودة في شمال العراق. في يومٍ بقي في القدح بعضٌ من هذا الشراب فشربه خادمه وقال بأنه لذيذ، فلما سمع الشيخ ذلك قال «هذا أيضاً لذيذ؟ لن أشربه بعد الآن».[4]

وكان طعامه مقتصراً على الخبز اليابس من الشعير والحنظل المّر. وبلغ جسمه من الضعف أن أحد الخلفاء كان يرفع يده له حين يأتي الدراويش للتسليم عليه. وفي يوم عيد جاءته والدته وأخوه الشيخ عبد الكريم وبعض أهله وناشدوه أن يوافق على أن يجلبوا له قليلاً من الرز والمرق واللحم ليأكل كون ذلك يوم عيد. فوافق الشيخ وغسل يديه ليتجهّز للأكل. فلما رأى نفسه تتوق إلى الطعام قال: «يا لها من نفس كالكلب. والله لن تأكلي، والله لن تأكلي. خذوا الطعام وأعطوه إلى الفقراء». وقد أخبر والده الشيخ عبد القادِر عن زهده هذا إذ أشار يوماً إلى حُسَين وهو شاب يرتدي أجمل الثياب وقال لمن حوله ما معناه: «سيأتي يوم تبكون على حاله».

ورغم هزالة جسمه الذي أنهكته المجاهدة والزهد العظيم والعبادة المستمرة، فقد كانت للشيخ حُسَين هيبة كبيرة يحسّ بها كل من يقترب منه. زاره يوماً بعض الوجهاء، منهم عبد القادِر الحفيد أخو الشيخ محمود الحفيد، فاستقبلهم الشيخ عبد الكريم الذي كان ينوب عن الشيخ حُسَين المختلي. ولما أخبروا الشيخ حُسَين عن الزوّار، كان ردّه بأنه مجرّد درويش وأن الشيخ عبد الكريم ينوب عنه في استقبال الزوّار. ولكن الزوّار قالوا بأنهم لن يعودوا حتى يأذن لهم الشيخ حُسَين بزيارته، فلما أخبروه بإصرارهم على رؤيته أذن لهم. واستغرقت الزيارة حوالي ربع ساعة كان أستاذ الطريقة يحدثهم خلالها عن أهمية الذكر والعبادة وذكّرهم بأنهم من أحفاد النبي ﷺ وأهمية أن تنعكس هذه الحقيقة في عبادتهم مع الله. بعد خروجهم قال الزوّرا للشيخ عبد الكريم بأنهم وجدوا الزيارة ذات هيبة كبيرة تركتهم بالكاد قادرين على التحدّث وشعروا وكأنهم يكادون يذوبون في ذلك الجو المهيب.

أعلى كهف خلوة شاه الكَسْنَزان على سفح جبل سَه گَرمه والذي أختلى فيه فيما بعد الشيخان حُسَين الكَسْنَزان ومُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان. أثناء خلوته، كانت بعض عبادات الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد داخل الكهف وبعضها على المنطقة المستوية الصغيرة التي عليها بلاطات أعلى الكهف (19 آذار 2016).

وفي بداية عام 1939 قالت له زوجته السيدة أمينة بأن التكية في حاجة إلى المال، فأجابها بأنه ليس لديه ما يعطيها ولكن سيأتيهم بعد أسبوع مال كثير جداً. فسألته زوجته عمّا يقصد، فقال بأنه سيغادر الحياة بعد أسبوع وستأتي للتكية مبالغ كبيرة في فاتحته، فكان كما قال.[5] وكما كان سيكون الحال في حياة السلطان حُسَين، ذهب هذا المال أيضاً في مساعدة المحتاجين. ثم مرّت على العائلة ظروف مادية صعبة، فكانوا يرسلون كل أسبوع بضعة كيلوات من الحنطة إلى مطحنة تقع على مسافة كيلومترين من كَرْبْچْنَه، فكان الخبز الذي يجهزوه من هذا الطحين هو كل ما يستطيعون توفيره لصغارهم وكبارهم. واستمر هذا الحال لفترة بعد جلوس الشيخ عبد الكريم على سجّادة الطريقة.[6]

استغرق مرض الشيخ حُسَين الأخير ثلاثة أيام توفّي بعده وله من العمر اثنان وخمسون عاماً، بعد أن جلس على سجادة الطريقة سبعة عشر عاماً. ولا شك أن وفاته في هذا السن المبّكر كانت بسبب حياة الزهد الاستثنائية التي عاشها. ولم يعطِ مشيخة الطريقة إلى أي من أبنائه الكثيرين، ولكن اختار لها أخاه عبد الكريم.

[1] عبد الرحمن، شيوخ الأزهر، ج 5، ص 15-16

[2] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 14 أيلول 2016.

[3] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 18 أيلول 2016.

[4] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 14 أيلول 2016.

[5] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 14 أيلول 2016.

[6]الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 20 تشرين الثاني 2018.

لؤي فتوحي 2004-2021. جميع الحقوق محفوظة.
 http://www.facebook.com/LouayFatoohiAuthor
 http://twitter.com/louayfatoohi
 http://www.instagram.com/Louayfatoohi

Share
Share
Share