Louay Fatoohi's Blog

الفصل (10) عَبدُ الكريمِ شاهُ الكَسْنَزان: صاحِبُ الأسْرارِ ومُجَدِّدُ الدِّينِ

Share

ضريح الشيخ عبد الكريم شاه الكَسْنَزان في كَرْبْچْنَه (19 آذار 2016).

«العلم حياة والجهل موت. الصدّيق إذا فرغ من تعلم العلم المشترك أُدخِلَ في العلم الخاص، علم القلوب والأسرار. فإذا تمكَّنَ في هذا العلم صار سلطان دين الله عز وجل، يأمر وينهي ويعطي ويمنع بإذن مسلطنه. يصير سلطانا في الخلق يأمر بأمر الله عز وجل و ينهي عن نهيه، يأخذ منهم بأمره ويعطيهم بأمره، فيكون معهم بالحُكْم ومع الحق عز وجل بالعِلْم. الحُكْم بوّاب على الباب، والعلم داخل الدار. الحُكْم عام، والعلم خاص. العارف واقفٌ على باب الحق عز وجل، وقد سَلَّمَ إليه علم المعرفة والاطلاع على أمور لم يُطلِع غيره عليها. يُؤْمَر بالعطاء فيعطي، ويُؤْمَر بالإمساك فيُمسِك؛ يُؤْمَر بالأكْلِ فيأكل، يُؤْمَر بالجوع فيجوع؛ يُؤْمَر بالإقبال على شخصٍ وبالإعراضِ عن آخر؛ يُؤْمَر بالأخذِ من شخصٍ وبالردِّ إلى آخر. المنصور من نَصَرَہ، والمخذول من خَذَلَه. القوم يأتون إليكم ولمنفعتكم لا لحوائجهم. لا حاجة لهم إلى أحدٍ من الخلق. في حبالِ الخلق يفتلون، ولبنيانهم يشيّدون، وعليهم يشفقون. هم جَهابِذةُ الحقّ عز وجل في الدنيا والآخرة. إيش يأخذون منكم لكم لا لهم. شغلهم النصح للخلق والدوام عليه، لأن ما كان من الله عز وجل فهو يدوم ويثبت، وما كان من غيره فلا. اخدم العلم والعلماء العمّال واصبر على ذلك. إذا صبرت على خدمة العلم أولاً، لا بد أن يخدمك ثانياً. يصبر على خدمتك كما صبرت على خدمته، إذا صبرت على خدمة العلم أُعطيتَ فقه القلب ونور الباطن».

الشيخ عبد القادِر الگيلاني (الفتح الرّبّاني والفيض الرحماني، المجلس الخامس والأربعون، ص 168)

قبل أن ندرس سيرة شيخ مشايخ الكَسْنَزان، يجب أن نتطرق إلى الشيخ إسماعيل الوِلْياني الذي وصلت عن طريقه الطريقة القادِريّة إلى كردستان العراق.

ولد الشيخ إسماعيل عام 1670 في قرية «نودى» التي تقع اليوم في محافظة السليمانية. وأخذ بيعة الطريقتين النوربخشية والعَلَوية من والده الولي الكبير محمد النوديهي المعروف بلقب «الكبريت الأحمر». وكان يحب العبادة مختلياً، فكان يقضي معظم وقته متعبداً بعيداً عن الناس. وسافر الشيخ إسماعيل إلى بغداد حيث التقى بالشيخ أحمد الأحسائي وأخذ على يده بيعة الطريقة القادِريّة، وبقي في صحبته أربعين يوماً. ثم عاد إلى كردستان واستقر في قرية قازان قايه، قبل أن يسكن في قرية وِليان القريبة منها والتي جاء منها لقبه «الوِلْياني».[1] فكان أول من أدخل الطريقة القادِريّة في شمال العراق.[2] والشيخ إسماعيل الوِلْياني هو ثالث أجداد الشيخ عبد الكريم شاه الكَسْنَزان، ثالث أعلام التصوّف الذين سُمِّيَت الطريقة العليّة القادِريّة الكَسْنَزانيّة بأسمائهم.

ولد الشيخ عبد الكريم عام 1824 في قرية «دو پالان»، التي عُرِفَت لاحقاً باسم «كَسْنَزان» تيمناً به، وهي قرية تابعة لقَرَه داغ في ضواحي محافظة السليمانية في شمال العراق. وهو من نسل النبي مُحَمَّد ﷺ، فهو ابن السيد حسين، بن السيد حسن، بن السيد عبد الكريم الخاوي، بن السيد إسماعيل الوِلْياني، بن السيد مُحَمَّد النوديهي، بن السيد بابا علي الوندرينه، بن السيد بابا رسول الكبير، بن السيد عبد السيد الثاني، بن السيد عبد الرسول، بن السيد قلندر، بن السيد عبد السيد، بن السيد عيسى الأحدب، بن السيد حسين، بن السيد بايزيد، بن السيد عبد الكريم الأول، بن السيد عيسى البَرْزِنْجي، بن السيد بابا علي الهمداني، بن السيد يوسف الهمداني (المَلُقَّب بشهاب الدين)، بن السيد مُحَمَّد المنصور، بن السيد عبد العزيز، بن السيد عبد الله، بن السيد إسماعيل المحدَّث، بن الإمام موسى الكاظم، بن الإمام جعفر الصادق، بن الإمام مُحَمَّد الباقر، بن الإمام علي زين العابدين، بن الإمام الحسين، بن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين مُحَمَّد ﷺ. [3]

ضريح الشيخ عبد الكريم شاه الكَسْنَزان في كَرْبْچْنَه (19 آذار 2016).

أخذت الطريقة العليّة القادِريّة الكَسْنَزانيّة لقب الشيخ عبد الكريم لأنه كان محيياً للدين. فحين كان والده حُسَين طفلاً صغيراً أخذه والده الشيخ حسن لزيارة ابن عم له، أيضاً اسمه حُسَين، في قازان قايه. وفي الليلة التي باتها الزائران في بيت قريبهم ولدت لمظيّفهم الشيخ حُسَين بنت. فخاطب الأخير الطفل: «يا حُسَين، إذا بقيتَ هنا فسأعطيك هذه الوليدة زوجة لك حين تكبر، وسيثمر زواجكما عن ولد يكون مُحيِياً للدين». من الواضح أن الشيخ حُسَين كان لديه كشف ربّاني مكّنه من رؤية هذا الحدث المستقبلي العظيم. لما سمع الشيخ حسن قول ابن عمه، أمر ابنه بأن يقوم بتقبيل يد الشيخ حُسَين وأن يجيبه بقبول الهدية. وحين كبرت الفتاة تزوجها الشيخ حُسَين وولدت له طفلاً سُمِّيَ «عبد الكريم» أصبح فيما بعد الشيخ عبد الكريم شاه الكَسْنَزان. وكان والده الشيخ حُسَين أيضاً من الصالحين، فمن كراماته أن الناس كانت تشمّ رائحته الزكّيّة المتميّزة في مكانٍ ما أحياناً لأكثر من يومين من بعد مروره به، ولذلك كان يُعرَف باللقب الكردي «بون خوش»، الذي يعني «ذو الرائحة الزكيّة».

وكما جاءت بشرى ولادة محيي الدين عبد الكريم قبل ولادته بسنين طويلة، توالت الكرامات التي تشير إلى المكانة التي كان سيصلها. فكان أحد الذين بشّروا بدوره في خدمة الإسلام هو «معروف كوسته ي»، أحد أولاد الشيخ إسماعيل الوِلْياني. وكان الشيخ معروف يعيش في شمال العراق في قرية بين قضاء چَمْچَمال وقرية كَرْبْچْنَه، التي كان مقدراً للشيخ عبد الكريم أن يسكنها مستقبلاً، حيث كانت للشيخ معروف تكية هنالك، كما أن مرقده فيها، وعاش حوالي مئة وثلاثون عاماً، ولم يترك ذرية. حين كان الشيخ عبد الكريم طفلاً صغيراً، جاء يوماً في رفقة والديه إلى تلك المنطقة، فلما عَلِمَ الشيخ معروف بمجيء حفيد أخيه، قرر الخروج للقائه. ولكن حاول الناس أن يثنوه عن ذلك لكبر سنّه ولكون المتعارف عليه هو أن يأتي الأصغر سناً لزيارة الأَسَنِّ، فرأوا أن المفروض أن يقوم الشيخ حُسَين بزيارة أخي جَدﱢه. لكن الشيخ معروف فاجأهم بالرد: «أنا لست ذاهباً لاستقبال حُسَين، ولكن لاستقبال الطفل الذي بين يديه. أنتم لا تعلمون، إن هذا الطفل سيصبح محيياً للدين. أنا ذاهب لاستقبال عبد الكريم». وحين وصل الشيخ معروف إلى أبوي الطفل عبد الكريم، وضعاه في حضنه. وفيما بعد أصبح المكان الذي حمل فيه الشيخ معروف الطفل عبد الكريم، محيي الدين المستقبلي، مقاماً يزوره الناس للتبرّك، وهو لا يزال قائمٌ إلى يومنا هذا.

ضريح الشيخ عبد الكريم شاه الكَسْنَزان في كَرْبْچْنَه (19 آذار 2016).

كان الشيخ عبد الكريم منذ صغره منشغلاً عن الدنيا، مشغولاً بذكر ربه، وكان كثير الحب للاعتكاف في الجبل، حيث يسّر له ذلك العزلة مع ربّه وفرصة التأمل في خلقه. وكانت كرامة أخذه لبيعة الطريقة إحدى الإشارات الكثيرة إلى المكانة الروحية الرفيعة التي كتبها الله له. إذ ذهب الشيخ عبد الكريم يوماً إلى تكية خاله وأستاذ الطريقة القادِريّة حينئذ الشيخ عبد القادِر قازان قايه، وكان واقفاً مع مجموعة من الشباب ينظرون إلى حلقة الذكر حين شاهد يداً تمتدّ من حلقة الذكر فتضربه على خدّه، فأُغمي عليه. حين استردّ وعيه وجد يده بيد الشيخ عبد القادِر قازان قايه الذي كان يعطيه بيعة الطريقة. وطمأنه الشيخ موضّحاً ما حدث: «يا بني، لا تزعل مما جرى، فإن اليد التي شاهدتها تخرج من حلقة الذكر هي يد جدّك الشيخ إسماعيل الولياني». ولم تكن هذه حالة إغماء طبيعية، ولكنها كانت حالاً روحياً.

ثم أرسل الشيخ عبد القادِر قازان قايه ابن أخته في مهمة صيد في الجبل. وكان الشيخ عبد الكريم يحبّ الصيد كثيراً، حتى أنّه حين حضر حلقة الذكر تلك كان يحمل مسدس صيد. وبدأت تتبيّن حقيقة أمر الشيخ لمريده الجديد حين رأى الشيخ عبد الكريم في الجبل غزالاً وتحرك نحوه يريد اصطياده بمسدّسه. إذ لاحظ بأن اقترابه لم يجعل الغزال يحرّك ساكناً، فأوجس في نفسه خيفة فتوقّف. حينئذ بادر الغزال بالاقتراب منه وخاطبه بلسان الحال: «لا تقتلني، فما خُلِقتَ للصيد»، ثم انصرف.

حين عاد الشيخ عبد الكريم إلى البيت كتم ما حدث له ولم يحدّث به أحداً خوفاً من عدم تصديق الناس له واتّهامهم له ولأنه لم يفهم ما حدث له. ولكن حين عاد إلى مجلس الشيخ عبد القادِر قازان قايه، اقترب منه أحد المريدين من أصحاب الأحوال الروحية وهمس في أذنه: «جاء دورك، بدأ دورك»، فجعلته هذه الكلمات يشعر بالاطمئنان. ثم بادره الشيخ عبد القادِر متبسّماً بذكر حادثة الغزال وقال له: «خذ بالإشارة يا ولدي»، وأرسله للخلوة في الجبل. فلم يكن أمر الشيخ عبد القادِر قازان قايه الأول للشيخ عبد الكريم بالذهاب إلى الجبل إلا ليعلّمه بأنه لم يخلق للصيد أو لغيره من أمور الدنيا، فيما كشف أمره الثاني له بأن التفرّغ للعبادة هو ما يريده الله عز وجل منه.

روضة مشايخ الطريقة الكَسْنَزانيّة في كَرْبْچْنَه (19 آذار 2016).

وذهب الشيخ عبد الكريم للاعتكاف على جبل يشرف من جهة على قضاء قَرَه داغ ومن جهة أخرى على ناحية سنگاو التي فيها قرية كَرْبْچْنَه التي بناها لاحقاً وعاش فيها. كان اسم الجبل الأصلي «سَرْ گَرمه»، الذي يعني «الرأس الحار»، قبل أن يصبح بمرور الزمن «سَه گَرمه»، ولذلك يرجّح الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد بأن هذا المنخفض كان في الماضي فوهة بركانية. إذ يبدو أنه في وقت ما قذف النشاط البركاني أحجاراً من هذه القمة فسقطت من جهة قَرَه داغ، كما أن هنالك شقّاً كالوادي من جهة كَرْبْچْنَه.

كان الجبل على خط القوافل حينئذ بين بغداد والسليمانية وتبريز. وارتفاعه حوالي خمسة آلاف قدم، ويستغرق الطريق من سفحه إلى قمته حوالي الساعة لمن اعتاد صعود الجبال وأكثر من ضعف ذلك للغير. ويبعد عن القرية التي كان يسكنها الشيخ عبد الكريم بأكثر من عشرين كيلومتر، أو حوالي أربع ساعات مشياً، ولم تكن هنالك في ذلك الوقت أية قرى في المناطق المحيطة لمسافة عدة كيلومترات، حيث كانت المنطقة من سنگاو إلى كَرْبْچْنَه غابات غير مأهولة.

كان اختلاء الشيخ عبد الكريم في منخفض من الحجر يقع تحت أعلى قمّم سَه گَرمه التي اسمها «مَلاس». ويُعرَف المنخفض بالاسم الكردي «گيلان آوى»، الذي يعني «مأوى الگيلاني»، لأنه يُعتَقَد بـأن الشيخ عبد القادِر الگيلاني اختلى فيه لفترة أثناء الخمسة وعشرين عاماً التي قضاها متعبّداً في شمال العراق وفي رياضة مستمرّة. وكان منخفض گيلان آوى معروفاً للناس في المناطق القريبة، ولكن ذاع صيته أكثر بعد عودة الشيخ عبد الكريم من خلوته. وينخفض گيلان آوى عن قمّة الجبل بين مترين إلى مترين ونصف، ويبلغ طوله حوالي مئة متر وعرضه خمسون متراً. ويوجد فيه كهف، كما أن هنالك عين ماء بارد صغيرة من الحجر الصلب كانت تكفي الشيخ للشرب والوضوء، علماً بأنه ليست هنالك أية مصادر مائية أخرى على ذلك الجبل على بعد مسافة تستغرق بضع ساعات سيراً.

كما لم يكن هنالك أي طعام، بل مجرّد أشجار معظمها بلّوط، إضافة إلى الحجر والطين. وكان المكان نفسه مخيفاً جداً وكانت في المنطقة الكثير من الحيوانات البرّية الفتّاكة، كالدببة والفهود والذئاب والخنازير. ومن المستحيل أن يعلم المرء بوجود مثل هذا الكهف على قمة جبل عالٍ مثل سه گرمه من دون أن يصعد إليه، ناهيك عن صعوبة الوصول إليه لوعورة مسالكه، حيث كان في منطقة منقطعة تماماً عن الناس. بل إن موضع الكهف معزول عن أية منطقة سكنية أو طريق للناس حتى في زمننا هذا، رغم اشتهار أمره اليوم وتوفّر وسائل المواصلات واختفاء الكثير من العوارض الطبيعية كالغابات التي شكّلت المناطق المحيطة به في الماضي. فمن الواضح بأن ذهاب الشيخ عبد القادِر إلى ذلك الكهف كان بتوجيه إلهي وليس نتيجة بحث قام به عن مكان مناسب للخلوة، وكذلك كان ذهاب الشيخ عبد الكريم إلى نفس الكهف بأمر من الله.

روضة مشايخ الطريقة الكَسْنَزانيّة والمسجد وقرية كَرْبْچْنَه كما تظهر من على سفح بداية جبل سَه گَرمه قرب كهف خلوة المشايخ (19 آذار 2016).

وتشبه هذه حالة اختيار مُحَمَّد ﷺ لغار حراء على جبل النور دون غيره من الأماكن مكاناً لخلواته. فهنالك الكثير من الكهوف والعديد من التلال العالية والجبال في تلك المنطقة كان يمكن أن يأوي إليها رسول الله ﷺ. ويزيد اختياره لغار حراء غرابة هو عدم إمكانية أن يعلم المرء بوجود ذلك الغار على قمة الجبل قبل أن يصعد إليه. بل إن من لا يعلم بوجود الغار قد لا يعثر حتى وهو على بعد مجرد بضعة أمتار منه على قمة الجبل! إذ من غير الممكن رؤيته قبل الوصول إليه، لأن الوصول إليه يتطلّب الاستدارة ثم السير على طريق ضيّق. فمن الواضح بأن الله عز وجل كان هو الذي هدى مُحَمَّداً ﷺ إلى غار حراء. وكذلك كان يمكن للشيخ عبد الكريم أن يأوي إلى جبل أقرب إلى قريته من سه گرمه وأسْلَك طريقاً، ولكن كثيراً من أفعال الأنبياء والأولياء هي بتوجيه ظاهري أو خفي من الله.

بقي الشيخ عبد الكريم في الكهف منقطعاً عن الناس، ورغم جهود أهله لم يتمكّنوا من العثور عليه. فكانت غيبته هذه هي سر اشتهاره منذ حينئذ باللقب الكردي «كَسْنَزان»، الذي يعني «لا أحد يعرف»، لأنه لم يعرف أحد مصيره، فحين كان يسأل أحد عمّا حدث له كان الجواب هو «كَسْنَزان». أما التفسير الصوفي لهذا اللقب فنجده في قول الشيخ لاحقاً في حياته: «لقد أعطاني الله شبكة من الأسرار لا يعرفها إلا هو والنبي ﷺ». فهذه الأسرار التي لا يعرفها أحد هي تفسير لقب «كَسْنَزان» الفريد.

بعد أن يئِس أهل الشيخ عبد الكريم من العثور عليه أو عودته، خلصوا إلى الاستنتاج بأن الحيوانات البريّة قد افترسته، فأقاموا مجلس الفاتحة له. وبقي سنتين في خلوات متتالية مارس خلالها مختلف المجاهدات لتنقية نفسه وترقيتها وتقريبها من خالقها. وفتح عليه خلالها الباري عز وجل من كشوفاته الربّانية وأغدق عليه أرفع المراتب الروحية.

ثم حان وقت عودة الشيخ المختلي إلى الناس لكي يكون نوراً لهدايتهم إلى طريق جده رسول الله ﷺ. ففي أحد أيام الربيع كانت والدته تقدّم لابنها الكبير علي طبقاً من أكلة الدولمة كانت قد طبخته حين أخذت بالبكاء. فلما سألها ابنها عن سبب بكائها، قالت له بأن عبد الكريم كان يحب دولمة ورق العنب، فتذكّر الشيخ علي أخاه وأخذ هو أيضاً بالبكاء ولم يستطيع أن يتناول الطعام. في تلك الليلة، ظهر الشيخ عبد الكريم لأخيه في المنام وأخبره بأنه كان مختلياً في گيلان آوى. أيقظت الرؤيا الشيخ علي الذي فكّر بأنه قد بحث عن أخيه عدة مراتٍ في ذلك المكان فلم يجده، فلم يأخذ الرؤيا جدّيّاً وعاد إلى النوم. فزاره الشيخ عبد الكريم مرة أخرى في المنام وطلب منه أن يأتيه إلى ذلك الكهف، ولكنّه أهمل ما رأى مرة ثانية وعاد إلى النوم. فلما تكرّرت الرؤيا للمرة الثالثة، لم يعد إلى النوم وقرّر الذهاب إلى المكان الذي ذكره أخوه. فأخبر والدته بالرؤى الثلاث وحمل سلاحاً وذهب للبحث عن أخيه.

حين وصل الشيخ علي إلى المنخفض على قمة الجبل لم يعثر على أخيه، فأعاد عملية البحث ولكن من دون جدوى. فقرّر الصعود إلى قمّة تطل على المنخفض، حينئذ رأى أخاه واقفاً داخل خلوة الشيخ عبد القادِر وهو يضحك. حين رأى الشيخ علي أخاه، ألقى بنفسه بلا وعي من ذلك المرتفع، ولكنه وجد نفسه وكأنه يطير حتى حطَّ أمام باب الخلوة. فأخذ الشيخ علي أخاه بالأحضان وأخذ يسأله عن سبب اختفائه طيلة السنتين. وتركت الخلوة الطويلة الشيخ عبد الكريم بلحية كثّة وشعر طويل وملابس مهترئة، علماً بأن درجة الحرارة في الكهف تهبط في الشتاء تحت الصفر بكثير، بل يبقى الكهف بارداً حتى في الصيف. فحين ذهب الشيخ عبد الكريم إلى خلوته لم يأخذ معه أي طعام أو ملابس إضافية، ولكن أخذ سيفه فقط.

ويبيّن الشيخ مُحَمَّد مُحَمَّد الكَسْنَزان بأن السيف في الطريقة لا علاقة له بوظيفته كسلاح للقتال في الماضي. فهو رمز يشير خصوصاً إلى «ذي الفِقار»، السيف الذي أعطاه الرسول ﷺ إلى الإمام علي، وهذا بدوره يرمز إلى النيابة الروحية للإمام علي عن الرسول ﷺ. كما أنه رمز للجهاد ومجاهدة النفس حتى الموت. فإذا حمل المرء سيفاً، فعليه أن يقتدي بحضرة الرسول ﷺ، ثم بالإمام علي بن أبي طالب، ثم بمشايخ الطريقة.[4] كما يستخدم السيف في الخلوة لطرد الأرواح الشريرة التي تتجسّد بأشكال البشر.

المسجد الذي بناه شاه الكَسْنَزان وهو يجاور روضة مشايخ الطريقة الكَسْنَزانيّة في كَرْبْچْنَه (19 آذار 2016).

فلمّا أراد الشيخ علي أن يعود بأخيه إلى أهله، قال له الشيخ عبد الكريم بأنه كان قد بقيت له ليلة واحدة من خلوته، وطلب منه أن يقضي تلك الليلة معه ليعودا في صباح اليوم التالي. كان الشيخ عبد الكريم صائماً، وعند الإفطار أعطى أخاه قطعة بدت وكأنها من الطين الأحمر، ولكن الله أعلم بحقيقتها، مخلوط فيها نباتٍ اسمه «عَفْص»، يُستَخدَم عادة في دبغ الجلود. فقال له متعجّباً بأن هذا طعام مميت، ولكن الشيخ عبد الكريم طلب منه أن يثق به ويأكله. وحين تناول هذه القطعة الشبيهة بالطين، وجد لها لذة ما بعدها لذة ورائحة زكية لم يشمّ مثلها من قبل، وبقي أكثر من أسبوع بعدها لا يشعر بجوع. ففي سَنَتَي خلوته كان الشيخ عبد الكريم يكتفي بأكل هذا الطين المخلوط بالعفص وشرب ماء العين، وهذه ظروف لا يمكن لإنسان أن يبقى فيها على قيد الحياة، ولكن يد القدرة الإلهية التي قادته إلى ذلك المكان المعزول وتلك الخلوة الكاملة هي التي تولّت عنايته وحمايته، مثلما غذّته روحياً ورَعَت سموّه الروحي. وفي الصباح عاد الشيخ عبد الكريم مع أخيه ليبدأ دوره القدري في إحياء دين جده النبي الأعظم ﷺ. وأصبح يُعرَف بلقب «شاه الكَسْنَزان» الذي يعني «سلطان الغيب». وهكذا أصبحت الطريقة تعرف نسبة إليه باسم «الطريقة العليّة القادِريّة الكَسْنَزانيّة»، أو اختصاراً باسم «الطريقة الكَسْنَزانيّة».

بعد عودة الشيخ عبد الكريم شاه الكَسْنَزان من خلوته، لم يستقرّ في قرية كَسْنَزان وإنما عاش لمدة سنة في قرية فِيكَدَره التي تقع على مسافة ساعة ونصف أو ساعتين مشياً جنوب قرية كَسْنَزان، وبنى هنالك مسجداً. حين زار الشيخ مُحَمَّدِ المُحَمَّد القرية في عام 1967 كان عمود المسجد الذي كان يستند عليه شاه الكَسْنَزان لايزال قائماً.

كهف خلوة شاه الكَسْنَزان على سفح جبل سَه گَرمه والذي أختلى فيه فيما بعد الشيخان حُسَين الكَسْنَزان ومُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان (تاريخ الصورة 19 آذار 2016).

انتقل شاه الكَسْنَزان إلى السكن في قرية صغيرة مجاورة لجبل سه گرمه اسمها «كَرْبْچْنَه». وعاش هنالك أقل من سنتين قبل أن ينتقل للعيش بشكل دائم في منطقة تبعد حوالي خمسة كيلومترات لم يكن فيها حينئذ سوى بيتين أو ثلاثة. وانتقل معه للسكن هنالك سكان القرية فأصبح اسم كَرْبْچْنَه يُطلَق على مكان السكن الجديد. ولم يكن موقع كَرْبْچْنَه القديمة جميلاً، كما كان صغيراً ومنعزلاً، ويبدو أن سكّانه الأوائل اختاروه لتوفيره لهم حماية طبيعية من غزوات القبائل.

وقام شاه الكَسْنَزان بعصاه بتحديد موقع بناء المسجد وبيته وبيت كل عائلة من سكّان القرية الجديدة، أي أنّه لم يختر موقع القرية فقط، ولكنّه كان أيضاً أول مخطّط ومهندس لأبنيتها. وكانت أرض كَرْبْچْنَه الجديدة كلها غابات، فكان كل بناء يُقام من خشب الأشجار التي تغطّي أرضه. وكان الماء متوفراً في المنطقة عن طريق عيون طبيعية. وبنى شاه الكَسْنَزان في كَرْبْچْنَه تكية وأنشأ مدرسة دينية وأصبحت قبلة للمريدين وطلاب الحق. وهكذا أسّس شاه الكَسْنَزان قرية كَرْبْچْنَه، التي أصبحت لاحقاً تابعة إدارياً لناحية سنگاو، وكانت تابعة لمحافظة كركوك ثم أصبحت تابعة لقضاء چَمْچَمال في محافظة السليمانية. وبقيت كَرْبْچْنَه تتوسّع حتى يُقال بأنه بحلول عام 1890 كان فيها ما يقارب خمسمئة بيت.

ومن كرامات شاه الكَسْنَزان قوله بوجود ماءٍ كالبحر تحت كَرْبْچْنَه تحت طبقة من الحجر. وقبل حوالي ثلاثين عاماً أوعز شيخنا بحفر بئرٍ في القرية، واستمرّ الحفر عميقاً من غير خروج ماء، حتى وصل الحفر إلى طبقة حجرية سمكها حوالي المتر، ما إن تجاوزها الحفر حتى خرج الماء الذي كشف عنه شاه الكَسْنَزان. ولا يزال البئر يخرج ماءً حتى يومنا هذا.

لقد بارك الشيخ عبد القادِر الگيلاني قرية كَرْبْچْنَه حين جعل على جبل هنالك أحد أماكن عبادته، ثم اختارها موطناً لمشايخ طريقته. وصمدت كَرْبْچْنَه على مر السنين بوجه الكثير من الظروف الصعبة نتيجة الصراعات السياسية والعسكرية في شمال العراق، كما سنرى لاحقاً. وهي اليوم مزار يحتضن مراقد مشايخ الكَسْنَزان وآثارهم. ومن هذه الآثار «حوض شاه الكَسْنَزان»، وهو مكان يتجمّع فيه ماء حلو ونظيف من عين طبيعية كان شاه الكَسْنَزان والدراويش يستعملوه للوضوء والشرب، وكان يجلس مع مريديه هنالك عادة من وقت العصر حتى المغرب، وبقي المشايخ الكَسْنَزانِيّون بعده يتردّدون عليه ويجلسون هنالك لإرشاد الدراويش. ويقع الحوض في مكان منخفض في بستان زرع أشجاره شاه الكَسْنَزان في ذلك الوقت. ومثل كل شبر من أرض كَرْبْچْنَه، فقد شهد هذا الحوض الكثير من كرامات المشايخ.

ومن هذه الكرامات أن قافلة كانت ذاهبة لزيارة مسجد كاكا أحمد الشيخ مرّت قريباً من حوض شاه الكَسْنَزان حين كان الشيخ جالساً هنالك. فسلّم عليه الزوّار عن بعد، فرفع يده راداً السلام. وكان في القافلة شاب صغير السن اسمه «فرج علي» اتهّم في نفسه شاه الكَسْنَزان بالتكبّر لأنه لم يقف للقافلة واكتفى برفع يده للسلام. بعد أن اجتازت القافلة المكان بحوالي مئتين متراً، وصف شاه الكَسْنَزان لأحد مريديه ملابس وهيئة هذا الشاب وطلب منه أن يلحق بالقافلة ليطلب منه الحضور إليه. فلما جاءه قال له الشيخ: «يا بني، استغفر الله أن أتكبّر، إن شيخ الطريقة لا يتكبّر، ولكني استخدم علاج الحجامة»، إذ تتطلّب الحجامة من الشخص أن يحدّ من حركته. فبكى الشاب بعد أن شهد هذا الكشف الروحي لشاه الكَسْنَزان وأصبح من دراويش الطريقة الكَسْنَزانيّة. من الكرامات المتكرّرة في حوض شاه الكَسْنَزان هو أن فيه صخرة كبيرة كانت ترتفع عن الأرض احتراماً لقدوم الشيخ عبد القادِر الكَسْنَزان، الذي خلف والده شاه الكَسْنَزان على كرسي المشيخة.

روضة مشايخ الطريقة الكَسْنَزانيّة والمسجد المجاور لها كما يظهران من الخلف (19 آذار 2016).

هنالك آراء عديدة عن أصل ومعنى اسم القرية الكردي. ويرى الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد بأنه تحوير لاسم «گُلْ بَچْنه» الذي يعني مكان «قطف الورد». واقترح الشيخ مُحَمَّد القَرَه داغي (رحمه الله)، مفتي السليمانية، بإن أصل الاسم هو «قُرْب الجَنَّة». وهنالك تفسير آخر بأن الاسم أصلاً هو «كَرَمْ چِنَه»، حيث أن «كَرَمْ» تعني «دودة القز» ومعنى «چِنَه» هو «حِياكة»، فيكون معنى الاسم «حياكة دودة القز»، لوجود وادي فيه أعداد كبيرة من أشجار التوت التي تعيش عليها دودة القز. كما يوجد رأي آخر يقول بأنه بعد الفتح الإسلامي للمنطقة، طلب السكان أن يأتيهم من يعلّمهم القرآن والدين، فأرسل إليهم الخليفة عدداً من الصحابة. ولكن في إحدى الليالي غدر البعض بالصحابة وقتلوهم فأصبح اسم القرية «كَرْ بَچْنه»، ويعني «اقضوا عليهم بهدوء»، حيث أن «كَرْ» تعني «هدوء» وكلمة «بَچْنه» تعني «اقطفوهم أو اقتلوهم». وهنالك عددٌ من قبور الصحابة جنوب شرق القرية تبعد عنها أقل من كيلومترين. ويميّز الناس في كردستان مراقد الصحابة بجعلها أطول من القبور الأخرى وترك الأشجار تنمو حولها وعدم قطعها. ومن المظاهر الجميلة لاحترام مراقد الصحابة أنه حين كانت عشائر المنطقة ترحل وقتياً إلى منطقة أخرى يكون فيها الجو أكثر مناسباً كانوا يتركون من أملاكهم ما لا يحتاجون أخذه معهم قرب قبور الصحابة حتى عودتهم في بداية فصل الخريف، فلا تصل إليه يد أحد من الناس احتراماً للصحابة.

إضافة إلى السنتين المتواصلتين اللتين قضاهما شاه الكَسْنَزان في گيلان آوى، فإنه دخل فيما بعد خلوات أخرى تعادل أكثر من سنتين أُخرتين، فكان يختلي أحياناً في گيلان آوى، وأحياناً أخرى في كهف في أسفل جبل سَه گَرمه، وأخرى في حفرة أمام المسجد الذي بناه في كَرْبْچْنَه. وقد أقام الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد بناءً على مكان الخلوة التي في داخل الأرض حفاظاً عليها. فكان عدد ما دخله هذا الشيخ العابد من الخلوات أربعين خلوة كلاً منها أربعين يوماً، أي أنه قضى مختلياً بربه ألفاً وستمائة يوماً، أو أكثر من أربع سنين وأربعة أشهر ونصف.

من أقوال شاه الكَسْنَزان التي تبيّن المكانة الروحيّة الرفيعة التي وصلها هي قوله: «إني أعرف طرق السماء مثلما أعرف دروب كَرْبْچْنَه». وله أيضاً بيت شعر باللغة الكردية في هذا المعنى يقول فيه:

أذْبَر بَوا عَثْمان نَوي گَي مَعَ الله كَريما قَوِي

وفي مرة أخرى قال نفس بيت الشعر هذا ولكن بتغيير اسم الله «كَريما» باسم «رَحيما». ومعنى البيت هو:

الأرضُ صَعَدَت والسماءُ نَزَلَت ووصلتُ إلى الكريم القوي

للشيخ عبد الكريم كرامات كثيرة لا يحصرها قلم ولا لسان مرّ علينا بعضها. وينقل الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد عن شاه الكَسْنَزان ما يلي:

«أراني شاه الكَسْنَزان بعض الأمور وقال لي: «أليست هذه بمستحيلات؟» فأجبت: «بلى». فقال شاه الكَسْنَزان: «أنا أصنع المستحيلات»».[5]

ومن هذه الأمور الرمزية التي أطلعه عليها أن شاه الكَسْنَزان قام بإدخال حاوية داخل أخرى أصغر منها بكثير بحيث من أن الفعل مستحيل حسب قوانين الطبيعة.

يروي أحد دراويش شاه الكَسْنَزان الذي كان يقاتل مع الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى أنه بعد أن وقع في أسر القوات البريطانية، جاء ضابط رفيع إلى ذلك الجمع من الأسرى وسألهم إن كان بينهم أحد من العراق. ثم سأل الأسرى من العراق إن كان بينهم من جاء منطقة كردستان. فلما أشار هذا الدرويش إلى أنه من شمال العراق، أخذه الضابط إلى بيته. وهنالك سأله إن كان يعرف الشيخ عبد الكريم شاه الكَسْنَزان، فلما أجاب الدرويش إيجاباً، قال له الضابط بأنه سيبقيه في خدمته في البيت. ثم أخبره الضابط بأنه مسلم وكان إسلامه على يد الشيخ عبد الكريم. وروى بأنه في إحدى المعارك وجد نفسه مطوَّقاً من القوات العثمانية وكان على وشك أن يقع أسيراً في أيديهم حين سمع صوتاً يناديه باسمه ويقول له بالإنكليزية بإنه مستعد لإنقاذه إذا كان الضابط مستعداً للتوبة وأن يصبح مسلماً. فأجاب الضابط بالإيجاب، ثم سأله من هو، فقال الصوت بأنه الشيخ عبد الكريم الكَسْنَزان. وأراه الشيخ طريق النجاة من القوات المُحاصِرة فهرب من غير أن يشعروا به. ولكن بعد نجاته نسى الضابط وعده للشيخ وبقي على سيرته الأولى. وتكررت هذه الحالة مرة ثانية، فلما تكرّرت ثالثةً قال الشيخ للضابط بأن هذه آخر مرّة ينجيه من الأسر وأنذره بأنه إذا نكث عهده مرة أخرى وعاد إلى حياته السابقة التي لا يلتزم فيها بتعاليم الإسلام فإنه سيندم. وقال الضابط لأسيره بأنه منذ ذلك الحين أصبح مسلماً درويشاً ملتزماً، ورأى الأسير لدى الضابط سجادة للصلاة. وبقي الأسير مع الضابط حتى انتهاء الحرب حيث أرسله بعدها إلى بغداد التي عاد منها إلى أهله. ومن لطائف هذه الكرامة أن الضابط البريطاني الذي أنقذه الشيخ عبد الكريم من الأسر قام هو بدوره بإنقاذ الدرويش من الأسر.[6]

ومن كرامات شاه الكَسْنَزان أن بعضهم قال له يوماً بأن كاكا أحمد الشيخ كان لديه «گُلَه بَرْد»، أي تعويذة ضد الرصاص، وسأله أن يعطيه شيئاً شبيهاً. فقطع شاه الكَسْنَزان بيده الشريفة قطعة من فرو السَجّادة التي كان جالساً عليها وردَّ قائلاً بما معناه: «هذه گُلَه بَرْد لَكُم»، أي أنه لم يكن بحاجة إلى كتابة تعويذة خاصّة بالحماية من الرصاص وإنّما كانت قطعة صغيرة من الفروة التي يجلس عليها كافية لأن تقوم بذلك.

وبعد زمن من وفاة شاه الكَسْنَزان وتوارث حاجياته الشخصيّة من قبل الأقرباء، لم يعد أحد يعرف أين انتهت السَجّادة ومن كان يحتفظ بها. ولكن بعد حوالي القرن من الوفاة، شاهدت ابنة أخ أستاذنا ليلة في المنام بأن قطعة من سجّادة شاه الكَسْنَزان وحاجة أخرى تعود للشيخ عبد القادِر الكَسْنَزان كانتا داخل مخدّة في حوزة عمّتها. فلمّا استيقظت من النوم فتحت المخدّة وفعلاً عثرت عليهما.

حين كان في مرضه الأخير، زاره في كَرْبْچْنَه الكثير من الناس بما فيهم أقرباؤه من قريتي خاوية وكَسْنَزان. وفي ليلة وفاته كان في غرفته وكان ابنه الأصغر عبد القادِر نائماً مع عدد من الأقرباء في غرفة أخرى في التكية. كان أحد هؤلاء الأقرباء، واسمه «حسن»، مستلقياً ولكن لم ينم بعد حين شاهد شاه الكَسْنَزان يحضر روحياً ويأخذ بتقليب وتدليك الشيخ عبد القادِر من قمة رأسه إلى أسفل قدمه من كل جهات جسمه، وكأنه يجهّزه لأمر ما، بينما لم يستيقظ الشيخ عبد القادِر أو يشعر بشيء. ثم نظر شاه الكَسْنَزان إلى حسن وأشار له بأن يكتم سرّ ما رأى. في الصباح الباكر، بدا شاه الكَسْنَزان في صحة جيدة، فبدأ الزوار بالعودة إلى قريتيهم، ولكن بعد مغادرتهم بفترة قصيرة، لحق بهم أحد رجال القرية ليخبرهم بوفاة شاه الكَسْنَزان فعادوا إلى كَرْبْچْنَه. فكان ما رآه حسن وكأنه مراسيم تجهيز شاه الكَسْنَزان للشيخ عبد القادِر ليكون أستاذ الطريقة من بعده.

ذهب سلطان الغيب إلى جوار ربه بعد أن وضع دعائم الطريقة الكَسْنَزانِيّة المُحيية لسُنّة النبي ﷺ. ودُفِنَ جسد شاه الكسنزان الشريف في نفس موضع غرفته، على الأرجح بطلبٍ منه، مثلما أن ضريح الرسول ﷺ في المدينة المنوّرة كان مكان سكنه.

وبقيت الطريقة الكَسْنَزانيّة في ذرية شاه الكَسْنَزان المبارك كما قال:

«إنني قد أخذت من الله تبارك وتعالى عهداً وميثاقاً بأن تظل المشيخة باقية في أهل الطريقة وأصحابها الحقيقيين ولا تخرج عنهم أبداً. فحتى إذا لم يبقَ من أفراد العائلة الكَسْنَزانية سوى عجوز عمياء فاستَلَمَت المشيخة وسارت بها فإن الله تبارك وتعالى يسهّل لها طريقها ويكون في عونها ما دامت متمسكة بالطريقة وتسلك سبيل الإرشاد».[7]

كان انتقال شاه الكَسْنَزان إلى جوار الرحمن في عام 1902وله من العمر ثمانية وسبعون عاماً.

[1] المُدرّس، علماؤنا في خدمة العلم والدين، ص 95-96.

[2] القاضي، سِراج السالكين. ذَكَره زكي، تاريخ السليمانية، ص 217. أنظر أيضاً

Bruinessen, The Qadiriyya and the lineages of Qadiri shaykhs in Kurdistan.

[3] من المصادر التي يمكن تتبع فيها الأجداد القدماء في هذا النسب الشرف هو: النجفي، بحر الأنساب، ص 62.

[4] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 14 تموز 2000.

[5] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، التاريخ غير معروف.

[6] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 8 أيار 2000.

[7] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، الطريقة العليّة القادِريّة الكَسْنَزانية، ص162-163.

لؤي فتوحي 2004-2021. جميع الحقوق محفوظة.
 http://www.facebook.com/LouayFatoohiAuthor
 http://twitter.com/louayfatoohi
 http://www.instagram.com/Louayfatoohi

Share
Share
Share