Louay Fatoohi's Blog

الفصل (14) مُحَمَّدُ المُحَمَّدِ الكَسْنَزان: بَدْرُ الكَسْنَزانِ الغائِبُ الحاضِرُ

Share

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في جلسة مدائح في تكية عمّان، الأردن (5 كانون الثاني 2019).

«لا فلاحَ لكَ حتى تتّبع الكِتابَ والسُنّة. عن بعضهم رحمة الله عليه أنه قال: «من لم يكن له شيخ فإبليس شيخه». اتّبع الشيوخ العلماء بالكِتاب والسُنّة العاملين بهما، وأَحسِنْ الظن بهم وتَعَلَّم منهم وأَحسِنْ الأدب بين أيديهم والعشرة معهم وقد أفلحت. إذا لم تـتبع الكتاب والسُنّة ولا الشيوخ العارفين بهما فما تُفلِح أبداً. أما سمعت: «من استغنى برأيه ضَلَّ». هذِّب نفسَكَ بصحبة من هو أعلم منك. اشتغل بإصلاحها ثم انتقل إلى غيرها. قال النبي ﷺ: «ابدأ بنفسك ثم بِمَن تَعُولُ»، وقال «لا صَدَقَةَ وذو رَحِمٍ مُحتاجٌ»».

الشيخ عبد القادِر الگيلاني (الفتح الرّبّاني والفيض الرحماني، المجلس التاسع والثلاثون، ص 151)

ولد الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد يوم الجمعة 15 نيسان 1938. حين علم الشيخ حُسَين بأن زوجة أخيه عبد الكريم جاءتها آلام الولادة في الليل، بقي يمشي جيئة وذهاباً بين داخل البيت والباحة وهو يذكر «يا هو، يا هو»، منتظراً ولادة الوليد الجديد. ولم يهدأ الشيخ حسين ويجلس حتى أخبروه بحدوث الولادة في بداية الفجر.[1] علماً بأن شيخنا لم يكن أول أولاد الشيخ عبد الكريم والسيدة حفصة، حيث ولد ابنهما حسين قبل ولادة شيخنا بأحد عشر سنة ورُزِقا بأولى بناتهما، عائشة، قبله بسنة، فكان اهتمام السلطان حسين بولادة شيخنا بالذات استثنائياً.

كما أن أستاذ الطريقة وعمّه السلطان حُسَين هو الذي اختار للوليد اسم «مُحَمَّد»، وكان مُقَدَّراً له بعد حوالي ثمانين عاماً أن يضيف الرسول ﷺ اسمه الشريف إلى اسمه ليُنادى «مُحَمَّد المُحَمَّد»، كما سنرى لاحقاً. حين أرسل السلطان حسين في طلب الوليد الجديد كان في مجلسه عدد من أولاده الذين كان بعضهم أطفالاً. ولما مدَّ الشيخ يده ليستلم الوليد الملفوف بالقِماط، قال له درويش مُسِن بأن أولاده ستصيبهم الغيرة من هذا المنظر. ولكن الشيخ أخذ الطفل ووضعه في حضنه وأخذ بمدحه: «هذا محيي الدين، هذا سيفيد الدين، هذا ذو عمر طويل».

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في إحدى زياراته اليومية إلى المكتبة البريطانية في لندن (منتصف 2000).

لقد رأى الشيخ حسين في ابن أخيه شيخاً للطريقة في المستقبل، مثلما قال عنه والده وأستاذ الطريقة قبله الشيخ عبد القادِر. فحين أخبروا الشيخ عبد القادِر بولادة ابنه عبد الكريم، طلب منهم إحضار الطفل حديث الولادة إليه. فلما وضعوه أمامه، قام الشيخ عبد القادِر بتحريك عصاه فوق الطفل جيئة وذهاباً وقال: «ما شاء الله، ما شاء الله، سيهدي الله سبحانه وتعالى الكثير من العرب على يدي ابن هذا الرجل إلى الطريق الصحيح». وفعلاً، في عهد الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد، وبالذات بعد بنائه للتكية الرئيسة في بغداد في عام 1982 وانتقاله من مدينة كركوك في شمال العراق للعيش في بغداد بشكل دائم، أخذت أعداد هائلة من العرب بيعة الطريقة.

وحين كان عمر الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد شهرين أو ثلاثة، أصابه مرض شديد حتى ظن والداه أنه سيموت، فأخذاه إلى عمه السلطان حسين، الذي كان قد اعتزل الناس والدنيا، فقال لهم شيخ الطريقة، الذي كان يعلم بأن الله قد كَتَبَ للطفل مستقبلاً ودوراً روحياً عظيماً، بأن لا يقلقوا على رضيعهم الصغير فإن له حرساً يحمونه، فاطمأنّا بأنه سيكون بخير.

وإحدى الحوادث التي تجسد حب السلطان حسين الاستثنائي لابن أخيه وقعت حين كان هذا الشيخ الزاهد على فراش الموت، قبل انتقاله من هذا العالم بساعات قليلة. كان الشيخ عبد الكريم وزوجته جالِسَين قريباً من الشيخ يبكون لقرب مفارقته لهم ولهذا العالم، وكان طفلهم الذي لم يكن قد أكمل سنته الأولى بعد هنالك في معيّة مُرَبﱟ. فلما رآه الشيخ حسين أشار وهو راقدٌ في فراشه طالباً أن يجلبوه إليه. فلما جاءوا بالطفل إليه ووضعوه على صدره، أخذ يقبّله ويشمّ رقبته وكأنه يشم فيه رائحة الطريقة الزكية التي كُتِبَ له تولّي أمورها بعد أربعين عاماً. وازداد بكاء الحضور وهم يشهدون هذا الموقف المؤثر، ثم تقدّم الشيخ عبد الكريم فرفع طفله من على صدر الشيخ الذي كان زُهْد السنين والخلوات قد أخذ منه مأخذه، لكي لا يؤذيه ثقل الرضيع. وكانت هذه آخر بشارة من السلطان حسين قبل انتقاله من هذه الدنيا حول علو شأن الطفل مُحَمَّد المُحَمَّد في المستقبل.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، وسط الصورة، في جلسة مدائح في مسجد تكية بغداد (تسعينيّات القرن الماضي).

مثلما يعود نسب الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد من جهة والده إلى النبي مُحَمَّد ﷺ، فكذلك ينتسب من جهة والدته إلى الدوحة المُحَمَّدية. فالسيدة حفصة هي بنت السيد عبد القادِر گُلَه نَبَر، بن السيد مُحَمَّد صالح، بن السيد عبد القادِر قازان قايه، بن السيد حسين قازان قايه، بن السيد محمود كليسه، بن السيد إسماعيل الوِلْياني، سادس أجداد الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان من جهة والده.

من أفضال الله على شيخنا أنه نشأ في أحضان والدٍ كان أستاذاً للطريقة، حاملاً للأخلاق المُحَمَّدية. فكان والده الروحي والجسدي الشيخ عبد الكريم هو الشخص الرئيس الذي تأثّر به، فتعلّم منه خير الطباع والفضائل، وصاغ هذا التأثير شخصيّته وسلوكه بشكل كبير. وكان شيخنا يحب والده حبّاً جمّاً ويحترمه احتراماً عظيماً، حتى أنه كان لا يستطيع الجلوس في مجلسه حتى يأذن له، وكثيراً ما كان يتجنّب الجلوس في حضور الشيخ عبد الكريم حتى من بعد أن يأذن له. وكان يخجل من أن يبادره بالسؤال أو طلب أي شيء، فلم يكن يقترب منه إلا إذا ناداه لأمر ما أو ليأخذ منه التوجيهات بشأن مسائل يحتاج رأيه فيها.

أما والدته فكانت امرأة عابدة قلَّ مثيلها حتى أنها كانت دائماً في حالة وضوء وذكر. ويروي شيخنا بأنه لم يرها إلا وهي في حالة من ثلاث: الصلاة، أو تلاوة القرآن، أو قراءة الأذكار وكتاب «دلائل الخيرات» في الصلاة على النبي ﷺ. وتوفّيت السيدة حفصة عام 1992.

ورث الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد عن أجداده حبّهم للدراسة بشكل عام والعلوم الشرعية بشكل خاص. دخل منذ صغره مدرسة كَرْبْچْنَه الدينية التي أنشأها شاه الكَسْنَزان، ثم أكمل دراسته المتوسّطة في كركوك. وبدأ دراسته الإعدادية، ولكن مرض أخوه الأكبر حُسَين اضطره إلى ترك دراسته لكي يكون قريباً من والده وأخيه المريض الذي توفي في عام 1956. بعد تركه للدراسة النظامية وعودته إلى كَرْبْچْنَه، انخرط الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد في مدرستها الدينية مرة أخرى وحصل على الإجازة العلمية الدينية من الملّا عبد الله مُحَمَّد عزيز الكربچني (رحمه الله)، أحد خلفاء الشيخ عبد الكريم.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في مجلسه في تكية بغداد (ثمانينيّات القرن الماضي).

كما مرّ بنا في استعراض حياة الشيخ عبد الكريم، هاجر الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد مع والده من كَرْبْچْنَه إلى بنجوين في بداية عام 1959. ثم ساهم في انطلاق الحركة المسلحة للدفاع عن الحقوق القومية للأكراد، قائداً إحدى أولى العمليات العسكرية للثورة الكردية في 7 أيلول 1961، وكان مسؤولاً عن الجبهة من بنجوين إلى دربندخان وشاه زور. بدأ الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد بالانسحاب من الثورة الكردية في منتصف عام 1964 حين حدث انشقاق داخلي بين قيادات الحركة، حتى اعتزلها تماماً في عام 1966.

وتعرّض الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد خلال سنين نشاطه العسكري إلى الكثير من المخاطر، ولكن العناية الإلهية دَرَأَت عنه كل أذى. فمثلاً يذكر بأنه أثناء إحدى المعارك كان الجيش يقصفهم بالمدافع من أعلى الجبل في طوز خورماتو، وكان يظن بأن تراباً ناتجاً عن القصف كان يصيب جسمه كل حين وآخر، ولكن حين دقّق رأى بأن ما كان له تأثير التراب عليه كان في الواقع شظايا قنابل المدافع. وكان الشيخ عبد الكريم يطمئن والدة شيخنا وأهله عليه خلال سنين عمله في الحركة الكردية قائلاً: «لا تقلقوا عليه، فلن أترك أي أذى يصيبه».[2]

أيد الشيخان عبد الكريم ومُحَمَّد المُحَمَّد اتفاق السلام في عام 1970 بين الحكومة العراقية والحركة الكردية، فقد كان دعمهما للحركة الكردية للحصول على الحقوق القومية للأكراد دائماً ضمن وحدة العراق. فقد وقف مشايخ الكَسْنَزان ضد أي اقتراح بتقسيم العراق، سواء كان على أسس قومية أو طائفية أو غيرها. فمراقد مشايخ الطريقة الكَسْنَزانِيّة تزيّن العراق وتباركه من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، لذلك يرفض مشايخنا أية محاولة للتفريق والفصل بينها.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان أثناء نشاطه في الحركة الكرديّة، في قرية عمر اوغان في هَوْمَرامان في قضاء قرداغ (أواخر 1963).

بعد اعتزاله العمل مع الحركة الكردية، سكن الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد في البدء في قرية هَوْمَرامان، في قَرَه داغ في محافظة السليمانية، وكان يتناوب في إقامته بين هَوْمَرامان وكركوك، حيث يسكن والده. وتزوج في بداية عام 1969 من فتاة من عائلة معروفة ذات صلة قرابة. ورُزِقَ بأكبر أبنائه السبعة، نهرو، في نهاية ذلك العام. وفي عام 1971، انتقل للسكن بشكل دائم في كركوك، بجوار بيت والده. وفي هذه السنة أعلن الشيخ عبد الكريم أبنه مُحَمَّد المُحَمَّد وكيلاً له وشيخ الطريقة في المستقبل. وفي عام 1973، صاحب الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد والده في الحج إلى بيت الله الحرام.

خلال السنين اللاحقة، كان الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد يساعد والده في توفير الدعم المادي والأمني للتكية وكذلك في مساعدة المريدين في احتياجاتهم الدنيوية، ولكنه لم يكن يتدخل في علاقة الطريقة التي تربط الشيخ بالدرويش.

ومع اقتراب مغادرة شيخ الطريقة الحاضر ومجيء الشيخ الجديد محلّه يبدأ الدراويش من أصحاب الأحوال بالشعور بهذا التغيّر الوشيك، فبعد أن كان حب الشيخ الحاضر فقط يسكن قلوبهم، يبدأ حب الشيخ القادم بالنمو فيها فينجذبوا إليه. ولاحظ الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد ازدياد إقبال الدراويش من أصحاب الأحوال عليه قبل حوالي خمسة أو ستّة أشهر من انتقال الشيخ عبد الكريم، فتوجّس خيفة من ذلك لأنه كان يعلم ما تعنيه تلك الظاهرة. فأخذوا مثلاً يأتون إلى مجلسه بعد أن يغادر الشيخ عبد الكريم مجلسه مع الدراويش ويذهب إلى غرفته الخاصّة للعبادة، فكان شيخنا يحاول جهده أن يصرفهم عنه. ولكن ميل الدراويش هذا ليس باختيار منهم ولكن بتحريك ربّاني لقلوبهم ليتّجه بها خالقها نحو من اختاره خليفة للشيخ الحاضر، لأنه من دون هذا التدخّل الخارق لا يمكن لقلب الدرويش أن يتقبّل قلبه حب أستاذ آخر غير أستاذه الحاضر.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان أثناء نشاطه في الحركة الكرديّة، في مضيق گوشان في جبل قرداغ (1963).

وتوالت الكرامات والإشارات التي تؤكّد اصطفاء الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد لسَجّادة الطريقة، ومنها أخذ شيخنا للبيعة على يد النبي ﷺ مباشرة. فقبل وفاة الشيخ عبد الكريم بأقل من شهرين، حظي بلقاء رسول الله ﷺ في المنام. كان ﷺ جالساً متّكـئاً بظهره المبارك على جانب رأس الشيخ السلطان حسين في مرقده في كَرْبْچْنَه، وهو مستقبل القبلة، أي تقريباً في اتجاه مدينة كركوك حيث كان يسكن الشيخ عبد الكريم، وكانت له لحية خفيفة وبدا وجهه حزيناً. وحالما رآه الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد سار باندفاع نحوه وجثى على ركبتيه بين يديه الشريفتين، وبكل خشوع وخضوع مدَّ يده وهي مقبوضة فلامست قبضة يد الرسول ﷺ. وبدت قبضته وكأنها قبضة طفل مقارنة بحجم قبضة النبي ﷺ.[3] وامتزج فرحه بلقاء الرسول ﷺ بقلق مما تشير إليه الرؤيا. ولكن حين أخبر الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد أستاذه بها، بقي الشيخ عبد الكريم صامتاً ولم يعلّق على الإطلاق، فعلم ما كان يعلمه شيخه، بأن هذا يعني قرب مغادرة الشيخ عبد الكريم الدنيا وانتقال مشيخة الطريقة إليه. وهذه المبايعة بيد النبي ﷺ هي معنى قول أستاذنا عن كفّه الشريفة: «من زار هذا الكف فقد زار كفّ النبي ﷺ».

وفي عام 1977، أخذ الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد إذن والده لاستكمال تعليمه الأكاديمي بدخول جامعة الأزهر في القاهرة. وسافر إلى القاهرة قرب نهاية ذلك العام وحصل على موافقة الأزهر بأن يدرس كطالب خارجي مقيم في كركوك، بعد أن حصل على شهادة أولية من الجامعة. ولكن بعد حوالي شهرين من عودته توفي الشيخ عبد الكريم، في بداية الشهر الثاني من عام 1978، فخلفه على سَجّادة الطريقة وله من العمر أربعون عاماً. واضطرّ إلى ترك فكرة إكمال الدراسة.

ولكن بقيت القراءة من أهم هواياته، وتركّز اهتمامه على الكتب الصوفية، كما بدأ بالاهتمام بمخطوطات التصوّف القديمة، بما فيها تلك الخاصّة بالأذكار والأدعية.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان أثناء دعاء بعد ورد العصر في حوش تكية عمان، الأردن (17 نيسان 2015).

بعد مدة من انتهاء مراسيم الأربعين لوفاة الشيخ عبد الكريم، قرر الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد أن يعتمر بيت الله الحرام، فذهب لزيارة كَرْبْچْنَه. ودخل مع شيخنا لزيارة المراقد بعض الدراويش، بما فيهم ثلاثة ذهبوا معه إلى العمرة. وبعد أن سلّم على المشايخ وقرأ لهم سورة الفاتحة طلب من الشيخ عبد الكريم الإذن بالعمرة. حينئذ بدأ ضريح الشيخ بالتحرّك، وبقي على ذلك الحال لأكثر من دقيقتين. وكان الاهتزاز واضحاً لجميع الحضور، بل وكان من الشدة أن مال الغطاء الذي كان على المرقد إلى أحد الجوانب حتى أوشك على السقوط. فإضافة إلى حجّه عام 1973 في رفقة والده، أدّى الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد مراسيم العمرة في النصف الأول من عام 1978.

دخل الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد أول خلوة له بعد حوالي ستة أشهر من خلافته للشيخ عبد الكريم، في نهاية شهر تموز. ودخل الخلوتين الثانية والثالثة في العامين التاليين، 1979 و 1980. والخلوة في الطريقة الكَسْنَزانيّة تستغرق أربعين يوماً، وأستغرقت كل خلوة الأيام العشرة الأخيرة من شهر شعبان وكل شهر رمضان.

دخلت الطريقة الكَسْنَزانيّة عهداً جديداً قاد إلى انتشارها بشكل لم يسبق له مثيل. إذ قام الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد بزيادة عدد زيادة الخلفاء، أي الدراويش المُجازين بإعطاء بيعة الطريقة نيابة عن الشيخ، بشكل كبير، وأرسلهم مرشدين إلى مختلف مدن العراق والكثير من بلدان العالم. وأوعز ببناء التكايا في كل المدن وحيثما تواجد الدراويش. كما قام بإلقاء المواعظ قبل أو بعد مجالس الذكر بشكل مستمر، أحياناً أكثر من مرة في اليوم الواحد. ونشر كتباً تعريفية بالتصوّف والطريقة الكَسْنَزانيّة وآدابها وسلوكها.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في مراسيم أربعين وفاة والده وأستاذ الطريقة قبله الشيخ عبد الكريم الكَسْنَزان، كركوك (نيسان 1978).

عند جلوس الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد على سَجّادة الطريقة، كانت تكية العراق الرئيسة، أي مقام شيخ الطريقة، في مدينة كركوك في شمال العراق، حيث استقرّ الشيخ عبد الكريم الكَسْنَزان منذ عام 1965. ولكن من أهم خطوات الشيخ الجديد الإرشادية كان قراره بعد فترة قصيرة من استلامه لمشيخة الطريقة بنقل التكية الرئيسة إلى بغداد. وافتُتِحَت التكية في عام 1982، فازدادت زياراته لبغداد، قبل أن ينتقل مع عائلته في نفس العام للسكن بشكل دائم في بيته في التكية، فأصبحت بغداد مركز إرشاد الطريقة. في بداية عام 1978، كانت هنالك ثلاث تكايا صغيرة في بغداد، ولكن في نهاية عام 2000، كان عدد تكايا بغداد قد أصبح حوالي مئة وخمسة وثلاثون تكية.

ساهم الانتشار المتزايد للطريقة الكَسْنَزانيّة واستقطاب تكاياها للكثير من الناس، بما في ذلك شخصيات معروفة وذات مسؤوليات في الدولة إلى جذب انتباه الجهات الأمنية وإثارة قلقها في بلد الحزب الواحد حينئذ. وأدت المضايقات المتزايدة حد طلب إغلاق معظم تكايا بغداد ومنع استخدام الطبلة والدف في الذكر. ووصلت المضايقات حد الاضطهاد حيث سُجِنَ اثنان من أبناء الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد لما يقارب السنة ونصف. وبعد شهرين من إطلاق سراحهما، زار الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد لندن للعلاج في شهر نيسان 2000 وبقي فيها خمسة أشهر. بعد ثلاثة أشهر من عودته إلى بغداد، علم بأن السلطات كانت تنوي اعتقال ابنه الأكبر نهرو مرّة ثانية وربما التخلص منه هذه المرة، فقرر الهجرة مع عائلته من بغداد. وغادرها في نهاية العام 2000 إلى مدينة السليمانية في منطقة كردستان العراقية التي كانت قد أصبحت خارج سيطرة حكومة بغداد.

ولكن تدريجيا بدأ شيخنا يتعرّض إلى مضايقات في كردستان. وتفاقمت هذه المضايقات حتى قامت السلطات بإرسال مبعوثاً إلى أحد المقرّبين من شيخنا ليبلغه برغبتها بأن يترك كردستان. فترك كردستان وانتقل للعيش في عمّان، الأردن، في شهر آب من عام 2007.

إضافة إلى انتشار الطريقة الكَسْنَزانيّة بشكل غير مسبوق في العراق ودول إسلامية وغير إسلامية في العالم، تميّز عصر الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد بتحديث أذكار الطريقة بشكل غير مسبوق. فأضاف الشيخ عدداً من الأوراد الجديدة واستبدل بعضاً من الأذكار القديمة.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في إحدى زياراته اليومية إلى المكتبة البريطانية في لندن، وفي صحبته نجله الأكبر ووكليه العام الشيخ نهرو (منتصف 2000).

ومن أفضال الله على الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد هو أنه كان له منذ صغره شخصية جذابة ذات طيبة فريدة تحبّب الناس إليه. وهذا واحدة من شمائل النبي ﷺ التي منّها الله عليه التي لها علاقة بدوره المستقبلي كأستاذ للطريقة: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ (طه/39). وضاعفت بركة مشيخة الطريقة هذه الطيبة، فجعلته يدخل قلب كل من رآه بشكل عفوي ومباشر. ولم يحسّ الدراويش فقط بهذا التأثير، وإنما عموم الناس أيضاً، فكثيراً ما أشار أناس زاروه لأوّل مرّة إلى شخصيته المحبوبة، فنجح في بناء علاقات اجتماعية واسعة مع مختلف الناس، كبيرهم وصغيرهم، غنيّهم وفقيرهم.

ومن صفاته بشاشة الوجه، فلم يستقبل الناس إلا والابتسامة تعلو وجهه الجميل. وكان يُرى في مُحَيّاه النوراني وصف صحابي للنبي ﷺ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»،[4] وفيه تجسيد قول الرسول ﷺ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ».[5] وكم من شخص قابله وهو يخفي العداء أو يظهره فإذا بابتسامة الشيخ وبشاشته تغسلان قلبه وتستبدلان مشاعر السوء والعدوان بالودّ.

وكان للشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد قلب غاية في الرقّة وسريع التأثر، فكان كثير البكاء سريعه عند سماعه لذكر الله والرسول ﷺ ومشايخ الطريقة. وكانت رقّة قلبه هذه ظاهرة أيضاً في تفاعله مع المريدين والناس عموماً واستجابته لما تمرّ بهم من شدائدٍ وظروف صعبة، سواء ما أصاب منها أفراداً أو جماعات.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في فرجينيا في زيارته ما قبل الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية (2016، ربما شهر أيلول).

لم تقتصر طيبة ورحمة شيخنا ورقة قلبه على الناس فقط، ولكنها شملت كل المخلوقات، بما في ذلك الحيوانات والنباتات. وهنالك الكثير من الحوادث والكرامات التي أظهرت عطفه على الحيوانات ورعايته لها. ومنها أنه في شهر تشرين الأول من عام 2008 اتّصل هاتفياً من عمّان بأحد المسؤولين عن تكية السليمانية وقال له بأن المشايخ أبلغوه في تلك الليلة بأن كلاب التكية كانت جائعة وطلب منه رعايتها. وحين ذهب الحاج لطيف ليبحث عن الكلاب وجدها قد اجتمعت في مكان واحد وكأنها في انتظاره، فلما أشار إليها تبعته إلى حيث كان الطعام.[6] كما كان يذكّر المسؤولين في التكية بين الحين والآخر بضرورة إطعام كلاب التكية.

وكان يتحلّى بتواضع يتجلّى في كل سلوكه وأقواله، ومنها وصفه لنفسه بلقب «خادم الفقراء»، وهو لقب كان مشايخ الطريقة الكَسْنَزانِيّة يفخرون بإطلاقه على أنفسهم ويختمون رسائلهم به. وكان يتحاشى نسبة أية كرامة إلى نفسه لينسبها بدل ذلك إلى النبي ﷺ ومشايخ الطريقة. وحتى حين تتضمّن الكرامة ظهوراً جليّاً له فيها، بحيث يراه من وقعت أمامه أو له الكرامة، فحين ينسبها أحد إليه كان شيخنا بدوره يعزوها إلى مشايخ الطريقة.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في تكية عمّان (11 كانون الأول 2013).

كان الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد كريماً يحب مساعدة الفقراء والمحتاجين، كما عامل بحنانٍ خاصٍ وكرم الأيتام الذين خصّهم الله عز وجل بالذكر في الكثير من الآيات الكريمة. ولما كان كريماً كل الكرم مع محتاجين وفقراء ومساكين ويتامى لم يكن يعرفهم، بل ولم يعرّفهم بأنه مصدر ذلك الكرم، فليس من المفاجئ أن كان عظيم الوفاء لمن خدم الطريقة وساعدها. فما كان ينسى ما قدّم شخص من مساعدة مهما صَغُرَت وتقادَمت في الزمن، ولم يتوانَ عن مد يد العون إليه متى ما أحتاجها. وكان كثير السؤال عن عائلة المتوفّين من الدراويش وأحوالهم وما إذا كانوا في حاجة إلى أية مساعدة.

ومن صفات الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد القيادية هي قدرته على إدارة الكثير من المسؤوليات المختلفة تماماً عن بعضها في نفس الوقت وبكفاءة ورؤية واضحة. فقد كان يُرى خلال فترة قصيرة من الوقت يناقش تفاصيل بناء تكية في دولة ما، ويقترح حلولاً لمشاكل زراعية معيّنة في مزرعته، ويصف علاجات من الأذكار والأعشاب لدراويش من أصحاب الأمراض جاؤوا لزيارته، ويطّلع على إصدارات جديدة من الكتب ليختار ما يريد أن يقرأه منها، ويناقش إرسال وفد من الخلفاء للإرشاد في دولة ما، وغير ذلك من المهمّات التي تختلف تماماً عن بعضها البعض.

لقد قدّم الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكثير في خدمة الإسلام والمسلمين. ومن إنجازاته الفريدة هي إعداده ونشره لأول موسوعة عن التصوّف: موسوعة الكَسْنَزان فيما اصطلح عليه أهل التصوّف والعرفان. ويتكون هذا العمل الجبّار من أربعة وعشرين جزءٍ، وصدر في عام 2005.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، في الباحة التي أمام التكية الرئيسة في بغداد (النصف الثاني من التسعينيّات).

ولشيخنا مشاركة استثنائية في تطوير التقويم الإسلامي. فكاحتفال دائم بالولادة المحمّديّة المباركة ولتعظيم وتبجيل لشخص الرسول الكريم ﷺ، طَرَح شيخنا في ليلة المولد النبوي الشريف 12/ربيع الأول/1412 هجري الموافق 19 أيلول 1991 ميلادي مبادرة وضع تقويم قمري جديد يؤرِّخ الأحداث نسبة إلى ولادة الرسول ﷺ. ولكون التقويم «الميلادي المُحَمَّدي»، أو اختصاراً التقويم «المُحَمَّدي»، يحتفل بالولادة النبويّة المجيدة، فان شهر ولادة الرسول ﷺ هو أوّل شهوره وسنة الولادة الشريفة هي أولى سنينه، فيكون تاريخ الولادة الشريفة حسب التقويم المُحَمَّدي هو 12 كانون الثاني 1. وقد أطلق شيخنا على العام الأول في التقويم المُحَمَّدي تسمية «عام النور» نسبة إلى وصف الله عز وجل للنبي مُحَمَّد ﷺ بأنه «نور» في هذه الآية الكريمة: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة/15). وليس التقويم المُحَمَّدي بديلاً عن التقويم الهجري، ولكن إضافة إلى دلالاته الدينية فإنه يمكن أن يكون ذا فوائد عملية مهمة لاستخدامه عام الولادة النبوية الشريفة سنةً مرجعيّة مشتركة لكل حقب التاريخ الإسلامي.

وبعد أقل من ثلاثة أعوام من استحداثه للتقويم المُحَمَّدي، وكمبادرة أخرى للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، قام شيخنا في ذكرى المولد النبوي الشريف وفقاً للتقويم الميلادي في 2 أيّار 1994 بتصميم تقويم شمسي جديد يبدأ من شهر وسنة ولادة الرسول ﷺ. وتمييزاً عن التقويم «المُحَمَّدي» القمري، سُمِّيَ التقويم الجديد بالتقويم «المُحَمَّدي الشَّمْسي». والولادة النبوية الشريفة كانت في 2 أيّار 570 حسب التقويم الغربي، أي 2 كانون الثاني 1 حسب التقويم المُحَمَّدي الشَّمْسي.

نال شيخنا مراتباً روحية رفيعة نتيجة حياته الإرشادية الاستثنائية وحبّه للنبي ﷺ الذي لا يناظره حب. فمن عطايا النبي ﷺ الخاصة التي تعكس ارتفاع مكانة شيخنا الروحية هي أنه أضاف أحد ألقابه الشريفة إلى اسم شيخنا تمييزاً وإكراماً له، فغيّره من «مُحَمَّد» إلى «مُحَمَّد المُحَمَّد»، وهو فضل أعلنه شيخنا في 18 أيّار 2016. إن «مُحَمَّد المُحَمَّد» يعني «مُحَمَّد النبي مُحَمَّد ﷺ»، فهو اسم يعبّر عن اصطفاء النبي ﷺ لشيخنا، أي كأن الرسول ﷺ يصفه بأنه «مُحَمَّد الخاص بي» أو «مُحَمَّد الذي اصطفيته لنفسي».

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في الصلاة، السليمانية (النصف الأول من العقد الأول من هذا القرن).

ومما يعكس ترقّي شيخنا في المراتب رؤيا شاهدها في السابع عشر من رمضان من عام 1437 هجري، المصادف 22 حزيران 2016 ميلادي، حيث شاهد نفسه في زيارة مراقد مشايخ الطريقة الكَسْنَزانِيّة في كَرْبْچْنَه، وكانت الأعلام الخضراء ترفرف لمقدمه. كان شيخنا واقفاً أمام مرقد الشيخ عبد القادر الكَسْنَزان، وكان هو ومراقد مشايخ الطريقة مغمورين بنور كثيف لا مثيل له. وكان الشيخ عبد القادر واقفاً أمام الباب وبيده كتاب يقرؤه، فقال لشيخنا الواقف أمامه: «أنت خليفة»، فأجاب شيخنا: «نعم قربان». ثم أعاد الشيخ عبد القادر القول بلهجة فيها تأكيد: «أنت خليفة»، فردّ شيخنا مرّة أخرى: «نعم قربان». ثم كرّر الشيخ عبد القادر القول مرّة ثالثة بحدّة، تأكيداً على البلاغ الذي قرأه في الكتاب: «أنت خليفة». ويبدو ذلك الحزم رداً على الخجل والتواضع اللذين طغيا على شيخنا من هذا العطاء وفي ذلك المقام، فأجاب شيخنا مرة ثالثة: «نعم قربان». وهذه بشارة بأن شيخنا هو «خليفة الله في الأرض».[7] فهاتان الكرامتان، على سبيل المثال، وقعتا بعد أكثر من ثمانية وثلاثين عاماً من استلام أستاذنا لمشيخة الطريقة، وتبيّنان استمرار رقيّه الروحي ونيله للمزيد من المراتب الرفيعة.

كان الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد يحبّ الذكر والصلاة والعبادات بشكل عام حُبّاً جَمّاً. وكان يحثّ الدراويش على العبادة ويحبّبها إليهم. ولم ينقطع عن الصلاة يوماً حتى حين كان مستلقياً على فراش المرض، فكان يقوم بما في مستطاعه من حركات الصلاة. وحين كان لا يستطيع الحركة، مثلاً بسبب أجهزة طبّيّة مربوطة بجسمه، فكان يقوم برأسه بحركات الصلاة.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في زيارة ضريح الشيخ عبد القادر الگيلاني في بغداد (تسعينيّات القرن الماضي).

بقي شيخنا يقوم الليل بشكل يومي حتى حين تجاوز الثمانين من عمره، فكان يكلّفُ نفسَهُ من العبادات ما يطيقه لا إلا النادر من الناس. فبعد أن يغادر مجلسه مع الناس، عادة بين منتصف الليل والواحدة صباحاً، كان يذهب إلى غرفته الخاصة ليأخذ قسطاً من النوم. ثم يستيقظ في حوالي الثانية والنصف ليبدأ بالتجهّز لقيام الليل. فكان يتوضأ ثم يستبدل ملابس النوم ويمشّط شعره ويتعطّر وكأنه سيستقبل ضيفاً كبيراً. وكان يفسّر سلوكه هذا بالقول بأنه يجب على المرء أن يتهيأ لمقابلة الله عز وجل وهو في أجمل حال. وبعد أن يجلب له مساعده الشخصي بضع قناني ماء، يتركه وحيداً جالساً على السجّادة مستقبلاً القِبلة ليبدأ بعباداته وأذكاره إلى ما بعد شروق الشمس.

في آخر فترة له في عمّان قبل سفرته الأخيرة إلى أمريكا، كان شيخنا يقرأ كل حين وآخر الدعاء التالي الذي هو بيت شعر باللغة الكرديّة:

يا صاحِبَي مَدينَي مُنَوَّره بَفَرمو توْي مِنِي وْوَرا

وترجمته باللغة العربية:

يا صاحب المدينة المُنوَّرة تفضّل بالقولِ بأنَّكَ منّي فتعال

ويعبّر طلب شيخنا بترك الدنيا ليكون في جوار الرسول ﷺ عن فنائه في حُبٍّ أستاذه ﷺ وذوبانه الروحي فيه.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان يعطي بيعة الطريقة في محل إقامته خلال زيارته لندن (النصف الثاني من عام 2000).

سافر شيخنا في رحلة علاج إلى الولايات المتّحدة الأمريكية في نهاية شهر حزيران عام 2019 كان قد كتب الله أن تكون آخر رحلة له في هذه الدنيا الزائلة. ففي الشهر الثاني من عام 2020 بدأت صحّته بالتدهور تدريجيا، حتى غادرنا إلى رفقة الرحمن في أول ساعات يوم السبت 4/تمّوز. ومن الغريب هو أن مشايخ الكَسْنَزان الأربعة قبله أيضا توفّوا بالنوبة القلبية، حيث عاش كلٌ منهم لفترة قصيرة بعدها قبل أن ينتقل إلى عالم البقاء. فشاه الكَسْنَزان بقي ليلة واحدة، والسلطان عبد القادِر ساعة واحدة، والسلطان حُسَين ثلاثة أيام، فيما بقي السلطان عبد الكريم بعد إصابته بالنوبة القلبية ثلاثة أيام قبل أن يتوفّاه الله عز وجل.[1][8]

من أواخر صور الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ربما نيسان 2020.

حين ثقل المرض على شيخنا وكان طريح الفراش، كان يحب الاستماع إلى مديحة نبوية معينة من مدائح الطريقة الكَسْنَزانيّة الكثيرة. ففي عام 2015، منح مشايخ الطريقة لشيخنا بيت الشعر التالي باللغة الكردية:

أحْمَد مُحَمَّد هَرْ دو يَكْ ناوه صَلَوات لدْيار أو جوته چاوه

وترجمته:

أحْـمَد مُحَمَّد الاسمان واحد صــلــوات عــلـى الـعـيـنـيـن

ومن المعروف طبعاً أن «أحْـمَد» و «مُحَمَّد» هما من أسماء الرسول ﷺ. فالاسم «أحْـمَد» هو صيغة مبالغة لـ «حامد»، فيعني الأكثر حمداً، أي الأكثر حمداً لله. أما «مُحَمَّد» فهو صيغة مبالغة لـ «محمود»، أي يعني الكثير التلقّي للحمد.

فطلب شيخنا في حينها من أحد شعراء الطريقة وخلفائها، الدكتور عبد السلام الحديثي، أن يضع لهذا البيت قصيدة باللغة العربية تناسبه بحيث يُقرأ البيت الأصلي بعد كل بيت من القصيدة. فكانت هذه القصيدة المباركة هي المديحة الوحيدة التي استمع إليها في مرضه الأخير، وكان يمدحها له الخليفة المدّاح مجيد حميد الذي بقي مرافقاً له خلال مرضه الأخير. ويروى الخليفة مجيد بأنه زار شيخنا في العناية المركّزة يوماً وكان شيخنا في حالة شبه غيبوبة ولكنه وجده يترنّم بمديحة البردة المشهورة للبوصيري.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان بعد خروجه من المستشفى في فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ربما آذار 2020.

كان شيخنا قد أوصى الخليفة مجيد منذ وقت طويل بأن يقرأ عليه سورة يس عند وفاته. فلما توفّي شيخنا في مستشفى جون هوبكنز، ذهب الخليفة لينفّذ رغبة شيخنا. ورغم تشديد إجراءات الدخول في المستشفى بسبب فايروس الكورونا وعدم حصول الخليفة لأذن خاص، فلم يتعرّض له أحد حين توجه إلى غرفة شيخنا، لتتم رغبة شيخنا، علماً بأن حملة تصاريح الدخول الخاصة كانوا يتعرّضون للتدقيق قبل السماح لهم بالدخول.

تم غسل الجثمان الشريف والصلاة عليه يوم الخميس 9/تموز في ولاية فرجينيا، ثم وصل إلى مدينة السليمانية في شمال العراق في اليوم التالي، حيث كان في انتظاره آلاف الدراويش والمحبين ليواروه الثرى في التكية الكَسْنَزانيّة الرئيسة في السليمانية.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في تكية عمّان، الأردن (2018 / 2019).

لقد عرضنا هنا ملخصاً لسيرة الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد وتعريفاً جِدُّ وَجيزٍ به، فمن يبغي المزيد عن حياة شيخنا الكريم وشمائله وبعض كراماته فيستطيع مراجعة سيرته المباركة في كتابنا حياةٌ وفناءٌ في حُبِّ النَبِيِّ مُحَمَّد ﷺ: سيرة السيّد الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان. ولمن يريد التعرّف بشكل تفصيلي عن تاريخ أستاذنا في الحركة الكرديّة وعن الاضطهاد التي عانته الطريقة على أيدي سلطات حزب البعث في تسعينيّات القرن الماضي، فهنالك فصلٌ مُسهَبٌ عن كلّ منهما في كتابنا الأول عنه السَّيِّدُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ المُحَمَّد الكَسْنَزانُ الحُسَيْنِي: سِيرَةٌ على خُطَى خَيْرِ السِّيَر.

[1] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 10 شباط 2016.

[2] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 18 حزيران 2018.

[3] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 10 شباط 2016؛ الطريقة العليّة القادِريّة الكَسْنَزانية، ص 163-164.

[4] الترمذي، الجامع الكبير، ج 6، ح 3641، ص 30.

[5] الترمذي، الجامع الكبير، ج 3، ح 1956، ص 506.

[6] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 14 تشرين الثاني 2008؛ 29 تشرين الأول .2019

[7] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 1 شباط 2018.

[8] الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 8 أيار 2000.

لؤي فتوحي 2004-2021. جميع الحقوق محفوظة.
 http://www.facebook.com/LouayFatoohiAuthor
 http://twitter.com/louayfatoohi
 http://www.instagram.com/Louayfatoohi

Share
Share
Share