Louay Fatoohi's Blog

الفصل (3) مَعرِفَةُ النَفْسِ: عِلْمُ الوصولِ إلى اللهِ

Share

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في جلسة مدائح في مسجد تكية بغداد (النصف الأول من التسعينيات).

«استهانتك بأولياء الله عز وجل من قلة معرفتك بالله عز وجل، تقول هؤلاء مُتَّهَمون، لِمَ لا يتعيّشون معنا؟ لِمَ لا يقعدون معنا؟ تقول هذا لجهلك بنفسك. لما قلَّت معرفتك بنفسك قلَّت معرفتك بأقدار الناس. على قدر قلّة معرفتك بالدنيا وعاقبتها تجهل قدر الآخرة، وعلى قدر قلّة معرفتك بالآخرة تجهل الحق عز وجل».

الشيخ عبد القادِر الگيلاني (الفتح الرّبّاني والفيض الرحماني، المجلس الثاني عشر، ص 60)

إن من أكبر متطلّبات تزكية النفس التي يكتسبها المرء بالصُّحْبة الطيبة هي معرفته بنفسه. فمعرفة المرء بذاته هي نعمة كبيرة، ولذلك قيل: «رحِمَ الله امْرَأً عرَفَ قَدْرَ نفسه».[1] فمعرفة النفس هي مطلب أساسي لمعرفة الله، وكما في قوله ﷺ: «مَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه».[2] ويعرّف شيخنا مفهوم «درويش» أو «مريد» بأنه «العارف بنفسه»، ولأنه عارف بنفسه فإنه يصبح «عارف بربّه».[3] لذلك فإن لقب «العارِف بالله» الذي يُطلَق على مشايخ الطريقة يعني «العارف بنفسه حق العرفان»، أي «الدرويش الكامل». فمعرفة النفس تعني معرفة المرء لدوافع أفعاله وحقيقة ما يريد، ونقاط ضعفه التي يجب عليه معالجتها، ومظاهر قوّته التي يستطيع أن يفيد بها نفسه وغيره. ومن صفات العالِمِ بنفسه أن يدرك ما يملك من العلم وما لا يملك. فقد ترى الناس تتسابق في الاجتهاد بشأن أمر يبدو البتُّ فيه سهلاً بينما ترى عالماً يعزف عن ذلك، لأنه عارفٌ بنفسه فيدرك بأنه ليس لديه علم حقيقي عن ذلك الأمر، فلا يشارك الناس خوضهم فيما لا يعلمون.

والعارف بنفسه يعرف أيضاً أصول أحواله، فيعلم إن كان مصدر فكرة ما أو شعور معيّن هوى في نفسه أم حال روحيٌ من شيخه، فيعلم ما يجب عليه فعله وما يجب عليه تركه. فهذه المعرفة بدواخل النفس وسرائرها تمكّن المرء من إصلاح عيوب نفسه التي تقرّبه إلى المعاصي وتبعده عن ربّه، وتساعده على تطوير ما لديه من صفات طيّبة واكتساب غيرها، فتقرّبه من عمل الخير وبالتالي من ربّه، ولذلك فإن معرفة الرب تتطّلب معرفة النفس. فمعرفة النفس ضرورية لجهاد هوى النفس، وهو الذي سمّاه النبي ﷺ «الجهاد الأكبر».[4]

والجهل بالنفس هو الذي أسقط إِبليس من مكانته مع الملائكة فأصبح الشيطان الرجيم. فحين أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، سجدوا كلّهم إلا إِبليس الذي رفض الانصياع لأمر الله وحاجج ربّه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف/12). فظنَّ إِبليس بأن مصدر اعتراضه على أمر الله «علمه» بأنه مخلوق ناري وبالتالي فإِنه أكبر قدراً من آدم المخلوق من طين. ولكن أصل رد إِبليس ليس ذلك العلم المزعوم، كما ظنّ، وإنما جهلاً منه بـ «كِبَرٍ» في نفسه، حيث كشف الله السبب الحقيقي لعصيانه حين طرده من مكانه ومكانته: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (الأعراف/13). وتجلّت حقيقة أن التكبّر هو الذي أدّى بإِبليس إلى رفضه للسجود لآدم بشكل أوضح مما هي عليه في فعله الأول في رَدّه على كشف الله لسبب عصيانه، فبدل أن يطلب المغفرة والرحمة ويلحق نفسه بالساجدين لآدم، أصرّ على عصيانه، حتى دَفَعَه تكبّره المُهلِك إلى توعّد هذا الخَلق الجديد بالتضليل: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف/16-17). لكن الله بيّن له وجهاً آخر من جهله بنفسه وبالخَلق الجديد حين أعلن: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر/٤٢). وكان الأجدر بإبليس أن يعلم بأن الاعتراض على الله لا يمكن أن يصدر عن علمٍ، ولكن جهله بنفسه جعله يرى كِبَرَها علماً.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان يشرف على عملية بناء (التسعينيات).

فالجهل بالنفس خطرٌ كبيرٌ على المرء وعلى غيره، لأنه يمكن أن يدفعه في أية لحظة من غير وعي منه إلى ارتكاب خطأ ما، وقد يكون خطأً قاتلاً لا مردّ بعده، كما حصل مع إِبليس. فَقَرْن الجهل بالنفس بالإصرار عليه هو باب للهلاك، وكلما زاد إصرار المرء على جهله كلما زاد جهلاً، فالجهل درجات مثلما أن العلم درجات.

وتؤكّد قصة لقاء موسى بالخَضِر عليهما السلام الأهمية والضرورة القصوى لمعرفة النفس، لأنّها كانت موضوع أول سرّ كشفه الخَضِر لموسى. فخلافاً للظن الشائع، لم يكن أوّل الأسرار التي كشفها الخَضِر لصاحِبه هو سبب خرقه للسفينة، وهو وجود ملك كان يأخذ السفن من أهلها غصباً، بل إن أوّلها هو سبب أمْر الله لموسى بالبحث عن الخَضِر: كان الخَضِر يعرف موسى أكثر مما كان موسى يعرف نفسه! إذ كان أول ما قاله الخَضِر وهو يرد على طلب موسى بأن يُصاحِبه:﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، واستطرد مفسّراً بأن موسى كان يفتقر للصبر على ما لا يعلم: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. لم يفهم موسى في البدء عمق ما شخّصه الخَضِر وظنّ بأنه شيء يستطيع التغلّب عليه بمجرد التصميم على ذلك، ولكنه أكّد من غير وعي منه صحّة ما كشفه الخَضِر بأن وعده وعداً لم يكن يدري بأنه سيفشل في تحقيقه: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. بل وكرّر موسى هذا الوعد الخطأ لاحقاً مرّتين، ولكن بثقة متناقصة. وهذا التناقص في ثقة موسى بعلمه بنفسه هو بحد ذاتِه إشارة لطيفة إلى ازدياد علمه بنفسه نتيجة تلك الصُّحْبة. فترى وعده الأوّل للخَضِر ينطق عن ثقة مفرطة بأنه يستطيع الصبر على صُحْبة هذا الرجل الذي لا يكاد يعرف عنه شيئاً: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، ولكن فشله في اجتياز أول اختبار حين اعترض على سلوك الخَضِر الغامض الأول زاده علماً بنفسه ففقد جزءاً من تلك الثقة التي لم تكن في محلّها، فأصبح وعده الثاني أقل ثقة: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾. فلم يعترف بنسيانه لما وعد فحسب، ولكنّه اعترف بأن من أفعال الخَضِر ما يمكن أن يكون ثقلاً لا يطيقه. ثم جاء اعتراضه الثاني ليكشف له المزيد عن نفسه حتى كاد أن يقرّ بصحّة تشخيص الخَضِر له بأنه لن يستطيع أن يصبر على صحبته، فنطق وعده الثالث والأخير بكثير من الحزن والإقرار والتسليم: حزن لما عرف عن نفسه، وإقرار بتفوّق علم الخَضِر، وتسليم بأن الأمور ستؤول إلى ما وعد الخَضِر: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾. فلما اعترض ثالث وآخر مرّة، تيقّن من عدم قدرته على صُحْبة الخَضِر، أي ازداد علماً بنفسه، ولذلك لم يحاول محاججة الخَضِر على الإطلاق حين أنهى الأخير تلك الصُّحْبة التعليمية بقوله له: ﴿هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾. فبهذا التسليم لأمر الخَضِر تمّ ما أراده الله من هذا اللقاء الاستثنائي ورفع موسى درجات من العلم بنفسه. وتمكّن موسى من تطوير معرفته بنفسه لأنه لم «يصرّ» على ما جهل عنها، فكان مخلصاً في أن يدع الأحداث تعلّمه ما غاب عنه من خفايا نفسه.

الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان في مجلسه في تكية بغداد (النصف الأول من التسعينيات).

فعِلْمُ الخَضِر بنفسه جعله يعرف ربّه، ولذلك فقد كان يدرك أوامرَ لله خفيت على موسى الذي كان يظنّها من أفكار وأفعال الخَضِر. وعلم المرء بنفسه يهب له علماً بالنفس البشرية وبالناس بشكل عام، وإن كان هذا العلم بدرجات مثل كل العلوم، كما ذكرنا، ولذلك عرف الخَضِر دواخل نفس موسى بمجرّد أن قابله. فلم يصل الخَضِر إلى العلم الخاص الذي وصفه الله بأنه ﴿مِن لَّدُنَّا﴾ إلا بأن عرف نفسه ودواخلها. فالدرس الأعمق والأساسي الذي أراد الله تعليمه لكليمه حين أرسله للقاء الخَضِر هو أن معرفة المخلوق للخالق مرتبطة بمعرفة المخلوق لنفسه، فلا تزيد معرفة المرء بربّه إلا بزيادة معرفته بنفسه. وليس من دليل أكبر على أهميّة هذه الحقيقة من أن يخلّدها الله في القرآن بتفصيله لهذا اللقاء التاريخي.

وبرأينا، فإن «معرفة النفس» هي في صلب مفهوم «الوعي» الذي لا يزال العلماء في اختلاف وحيرة بشأنه. فمعرفة النفس هي مما يميّز الإنسان عن الحيوان ويفتح له باب التطوّر المعرفي في مختلف العلوم. وتشير الدراسات العلمية إلى وجود ارتباط بين معرفة النفس والوعي بالذات وكون حجم بعض مكوّنات الدماغ كبيرة في الإنسان نسبة إلى حجمه.

ويجب أن نؤكّد بأن معرفة النفس في التصوّف ليس علمٌ نظري فقط، ولكنه علمٌ عَمَلي أيضاً. فدرجة معرفة المرء بنفسه تعتمد على اجتهاده وهمّته في العمل بهذه المعرفة لمعالجة عيوبه وإصلاح نفسه روحياً. فالمريد الصادق يجعل المعرفة عملاً، فيكشف له هذا العمل المزيد عن نفسه، وهكذا فهنالك علاقة تأثير متبادل مباشر بين معرفة النفس وجهادها. فالعارف بنفسه هو «عالمٌ عاملٌ» عرف نفسه فقوّمها.

ويجدر الذكر هنا بأن دراسة النفس البشريّة التي حثّ عليها الإسلام دائماً هي اليوم في صميم عدد من مختلف الفروع المرتبطة بعلم النفس، مثل كيفية تكوين الآراء والاعتقادات، والوصول إلى استنتاجات، وإصدار أحكام، واتخاذ قرارات في حالات الغموض، والعوامل التي تؤثّر على هذه الفعاليات العقلية. كما أن معرفة النفس هي في صلب علوم التنمية البشرية، وإدارة الأداء، وإدارة المخاطر، وغيرها. وتؤكّد كل هذه العلوم ضرورة وجود المراقِب الخارجي، أي ما يمثَّل الصاحِب في المفهوم الصوفي، لمساعدة المرء على الوصول إلى ملاحظات موضوعية عن أصول أحكامه وأفكاره ومشاعره ودوافعه وتحيّزاته. فمعرفة النفس هي من أُسس تطوّر العلوم الحديثة.

[1]  يعتقد البعض بأن قول الحكمة هذا من الأحاديث النبوية الشريفة، ولكننا لم نعثر على مصدر ينسبه إلى الرسول ﷺ.

[2]  يرد هذا الحديث الشريف كثيراً في كتب المتصوّفين، ووضع الشيخ محيي الدين بن عربي كتاباً اسمه «الرسالة الوجودية في معنى قوله ﷺ مَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه»، وذكر هذا الحديث الشيخ ابن عطاء الله السكندري في لطائف المِنَن (ص 52)، والشيخ عبد الوهاب الشعراني في «الطبقات الكبرى»، وغيرهم. وحتى من يشكّك في نسبة الحديث إلى النبي ﷺ أو ينكره فإنه لا ينكر أنه قول حكيم، كما في الآراء التي جمعها السيوطي في رسالته «القول الأشبه في حديث من عرف نفسه فقد عرف ربّه».

[3]  الشيخ مُحَمَّد المُحَمَّد الكَسْنَزان، موعظة، 14 تشرين الثاني 2008.

[4]  البيهقي، الزهد الكبير، ح 373، ص 165.

لؤي فتوحي 2004-2021. جميع الحقوق محفوظة.
 http://www.facebook.com/LouayFatoohiAuthor
 http://twitter.com/louayfatoohi
 http://www.instagram.com/Louayfatoohi

Share
Share
Share