سأناقش هنا حديثاً يمثّل نبوءة باهرة للنبي محمد ﷺ. وإضافة إلى كون هذا الحديث معجزة من معجزاته ﷺ، فإن له أهمية بالغة من الناحيتين التاريخية والعقدية. والحديث المقصود هو الذي كشف فيه النبي ﷺ بأن الصحابي الجليل عمار بن ياسر ستقتله «فئة باغية». كلمة «باغية» تعني «معتدية»، «ظالمة»، «جائرة»، وما إلى ذلك.
استُشهد عمار في معركة صفين خلال خلافة الإمام علي بن أبي طالب، حيث كان يقاتل في جيش الخليفة الشرعي ضد الوالي المعزول المتمرد معاوية بن أبي سفيان وقواته.
1 تاريخ آل عمّار
كانَ والدُ عمّارٍ، ياسرٌ، قدْ هاجرَ منَ اليمنِ إلى مكّةَ بحثًا عن أخٍ له. ولكنّه لم يعد إلى اليمن، حيث استقر في مكة وحالَفَ أحدَ سُكّانِها من بني مخزومٍ. والحليفُ في هذا السياق هو الرّجلُ الذي يطلبُ حمايةَ قبيلةٍ لا ينتمي إليها، فيعيشُ بينَها من غير أن يتساوى في المكانةِ والحقوقِ مع أهلها. والحليفُ حُرٌّ، ليسَ بعبدٍ.
كان لحليف ياسر أَمَةً اسمها «سُميّةُ» فزوّجها له. وُلِدَ لياسرٍ وسُميّةَ طفلٌ كانَ قدْ قدّرَ لهُ اللهُ عز وجل أنْ يكونَ منْ أَجَلِّ أصحابِ النّبيِّ ﷺ وأخلصِهِم للإسلامِ في حياةِ رسولِ اللهِ ﷺ وبعدَها. وكانَ ياسر وسُميّةَ وولداهما عمّار وعبد الله منْ أولِ منْ آمن بِدَعوةِ رسولِ اللهِ ﷺ وفيما بعد من أول من جهروا بإسلامهم. ولكنْ لمّا كان آلُ ياسرٍ مجرّدَ حُلفاءَ لبني مخزومٍ في مكّةَ، لمْ تكنْ لهم قبيلة تدفع عنهم أذى مشركي قُريشٍ، بما في ذلك تعذيبهم على الحجارة الحارة في قيض الصيف لكُرهِهِم على العودة عن الإسلام، بل قَتَلَ أبو جهلٍ سُمَيّةَ، فكانتْ أولَ شهيدةٍ في الإسلامِ.
وقالَ النّبيُّ ﷺ في عمّارٍ وأهلِهِ حين مرَّ بهم هو يُعَذَّبونَ ولا حول له بمساعدتهم، «أَبْشِرُوا آلَ عَمّارٍ وَآلَ ياسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ».[1] وهنالكَ عدد من الأحاديث الشّريفة في فضلِ عمّارٍ، ولكن موضوعنا هنا هو حديث شهادته.
2 النبوءة في مسلم والبخاري
روى مسلم في صحيحه عن طريقِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ أن النبي ﷺ قال لعمارٍ، «بُؤسَ ابنَ سُمَيَّةَ، تَقتُلُكَ فِئَةٌ باغيَةٌ».[2] كما ذكره عن طريق أمِّ سَلَمَةَ، أم المؤمنين، بلفظ «تَقتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ».[3]
وذَكَر البخاريُّ أيضًا هذا الحديث عن طريق أبي سعيدٍ الخُدريِّ بلفظ، «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ. يَدعُوهُمْ إلى الجَنَّةِ وَيَدعُونَهُ إلى النّارِ»،[4] وباللفظ الشّبيه جدًّا «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ. عَمَّارٌ يَدعُوهُمْ إلى اللهِ ويَدعُونَهُ إلى النّارِ».[5] وكلمةُ «ويح» هي بِمعنى «وَيْل»، وتُستخدمُ للتّوَجُّعِ والتّرَحُّمِ والتّعاطُفِ.
ادّعى البعض بأن عبارة «تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ» أُضيفَت لاحقًا إلى مخطوطات صحيح البخاري من قبل بعض النسّاخ، أو أن البخاري غيّر فيما بعد رأيه حول صحّة العبارة فحذفها. هذه محاولة بائسة لحرمان هذه النبوءة النبويّة من دلالاتها التاريخية والعقدية، فهي مردودة من عدّة وجوه منها أنه متواتر، كما سنرى. ورغم أن تفنيد هذا الادعاء ليس موضوع هذه المقالة، فأود فقط أن أذكر بأن أقدم مصدر وصلنا ورد فيه هذا الادعاء هو من القرن الخامس الهجري، أي بعد البخاري بقرنين.[6] وهدف إنكار صحّة تحذير النبي ﷺ هو الدفع عن معاوية فضح النبي ﷺ له بأنه سيكون باغيًا في محاولته اغتصاب السلطة، وبالتالي أمره ﷺ للمسلمين بنصرة الخليفة، الإمام علي، في ذلك الصراع. وطبعا الوجه الثاني لطمس حقيقة معاوية هو اتّهام عليٍ بأنه السبب في عصيان معاوية.
حتى ابن تيميّة (ت 728 ھ)، الذي يثني كثيرًا على شخصية وحكم معاوية، لم يجد بدًا من تصحيح الحديث بأكمله. فمن بعد أن ذكر بأنه «في كثيرٍ من النُّسخِ لا يُذكَرُ الحدِيثُ بِتمامِهِ»، يقصد نسخ البخاري، فإنّه عقَّبَ قائلًا، «ولكِنْ لا يَختلِفُ أَهلُ العِلمِ بالحدِيثِ أَنَّ هذه الزِّيادَةَ هي فِي الحدِيثِ».[7] للأسف، فإن وصف معاوية بأنه قائد الفئة الباغية ومع ذلك اعتباره صحابيا جليلًا لا يقتصر على ابن تيمية، ولكنه تناقض شائع بين علماء السُنّة.
هنالك محاولة أخرى مذهبية وسياسية لإفراغ هذا الحديث من معناه ودلالاته تتمثل في محاولة صرف وصف «الفئة الباغية» إلى فئة أخرى غير جيش معاوية. إحد أشكال هذه المحاولة هو الزعم بأن «الفئة الباغية» هم المشركون الذين عذبوا عماراً في مكة قبل الهجرة،[8] رغم أن الحديث صريح في كونه نبوءة مستقبلية وليس تقرير حدث في الماضي. وهناك وجهة نظر أخرى لا تقل مخالفة للعقل تدّعي بأن «الفئة الباغية» هي الخوارج. ولكن لم يظهر الخوارج إلا بعد واقعة صفين التي قُتل فيها عمار، وهو ما أشار إليه ابن حجر (ت 852 ھ) بملاحظة نقدية.[9]
بعد مناقشته لغياب هذه العبارة الجوهرية من بعض نسخ صحيح البخاري، يذكر ابن حجر عدداً كبيراً من الصحابة الذين رووا الحديث كاملًا. كما يؤكد صحة الحديث قائلاً، «وفي هذا الحديثِ عَلَمٌ من أعلامِ النبوةِ وفضيلةٌ ظاهرةٌ لعليٍّ ولعمارٍ، وردٌّ على النواصبِ الزاعمين أن علياً لم يكن مُصيباً في حروبِهِ».[10] من المُلاحَظ رميَه لمن أنكر أن الحقَّ كان مع عليٍّ بالنَّصب، أي مناصبة آل البيت العداء.
3 حديثٌ متواترٌ
لم يَرِدْ هذا الحديث في الصّحيحَينِ فقطْ، ولا اقتصرت طرقه على أمِّ سَلَمَةَ وأبي سعيدٍ الخُدريِّ فحسب. بل هو منْ أكثرِ الأحاديثِ تواتُرًا. فمنَ الصّحابةِ الذينَ رُوِيَ عنهم:
- أمُّ سَلَمَةَ، أم المؤمنين
- أنَسُ بنُ مالكٍ، خادمُ النّبيِّ ﷺ
- أبو رافعٍ، مولى النّبيِّ ﷺ
- عمّارُ بنُ ياسرٍ
- عثمانُ بنُ عفّانَ
- حُذيفةُ بنُ اليمانِ
- أبو سعيدٍ الخُدريُّ
- أبو أيّوبَ الأنصاريُّ
- خُزَيْمةُ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ
- أبو اليسرِ كعبُ بنُ عمروٍ الأنصاريُّ
- أبو مسعودٍ الأنصاريُّ
- عمرو بنُ حَزْمِ بنِ زيدٍ الأنصاريُّ
- أبو هريرةَ
بلْ وردَ الحديثُ عن طريق عمرو بنِ العاصِ وابنِهِ عبدِ اللهِ اللّذينِ كانا من «الفئةِ الباغيةِ» حيث قاتلا في جيش معاوية. فمنْ المستبعد جدًا أنْ يكونا قدِ اختلَقَا حديثًا فيهِ هكذا قَدْحٌ شديدٌ لهما.
كما أن مُعاوية نفسه لم ينكر صحّة الحديث حينَ ذكره له عمرو بنِ العاصِ بعد استشهاد عمّار.[11]
وكما هو مُتَوَقَّعٌ عن حديثٍ تواتَرَ بهذا العددِ الكبيرِ من الطُّرُقِ، فقدْ ذكرَه الكثيرُ من العلماء في كتبِهم التي جمعت الحديث. فيما يلي بعض هؤلاء العلماء مرتّبين حسب تاريخ الوفاة، لتوضيح وجود هذا الحديث في أقدم كتب الحديث:
- مَعْمَر بن راشد (ت 153 ھـ)، «الجامع»
- أبو داود الطَّيالِسي (ت 203 ھـ)، «المُسند»
- عبد الرَّزّاقِ الصَّنعاني (ت 211 ھـ)، «المُصَنَّف»
- ابن الجَعْدِ (ت 230 ھـ)، «المُسنَد»
- ابن أبي شَيبةَ (ت 235 ھـ)، «المُصَنَّف»
- أحمد بن حنبل (ت 241 ھـ)، «المُسنَد»
- البخاري (ت 256 ھـ)، «الصحيح»
- مسلم (ت 261 ھـ)، «الصحيح»
- التِّرمذي (ت 279 ھـ)، «الجامع»
- الحارث بنِ أبي أُسامَة (ت 282 ھـ)، «المُسنَد»
- النَّسائي (ت 303 ھـ)، «السُّنَنُ الكُبرى»
- أبو يَعْلَى الموصلّي (ت 307 ھـ)، «المُسنَد»
- الطَّبراني (ت 360 ھـ)، «المُعجم الكبير»
- البَيهقي (ت 456 ھـ)، «السُّنَنُ الكُبرى»
لذلك، كما مرّ بنا، حتى شيخُ المُعتَذِرينَ لمُعاويةَ، ابنُ تَيميّةَ، رفضَ حُجَّةَ تضعيفِ الحديثِ أو التَّشكيكِ في صِحَّتِهِ. كما أنَّهُ لمْ يعتبر وجود بعض مخطوطات صحيح البخاريِّ من دونِ عبارةِ الفئةِ الباغيةِ يشكّك في صحّة الحديث على الإطلاق.
فالذين يضعّفون عبارة «تقتله الفئة الباغية» أو يصفوها بالوضع لمجرد خلوّ بعض نسخ البخاري منها يهملون تواترها. لا شك أنهم ما كانوا ليطبّقوا هذا المنطق على أي حديث آخر بلغ هذا المستوى من التواتر، مما يكشف بوضوح بأن موقفهم المتهافت هذا مدفوع بتعصِّبٍ مذهبيٍ، أو كما أسماه ابن حَجَر «نَصْب».
4 إعجاز الحديث
إنَّ حديثَ مقتلِ عَمّارٍ على يدِ الفئةِ الباغيةِ هو مُعجِزةٌ للنّبيِّ ﷺ لأنّهُ نُبُوءةٌ صادقةٌ عن حدثٍ مستقبليٍّ. وهنالكَ ثلاثة أوجه من الإعجازِ في هذهِ النّبوءةِ:
- موت عمّار شهيداً
- استشهادهُ على يدِ فئةٍ باغيةٍ منَ المسلمينَ، لا على يد مشركين
- عدم واقعية ظرف الشهادة وقت نطق النبي ﷺ بالنبوءة
4-1 موت عمّار شهيدًا
قال النّبيِّ ﷺ حديثه عن استشهاد عمّار أثناءَ بناءِ المسلمين للمسجدِ النّبويِّ الشّريفِ في المدينة. فبينما كانَ كلُّ مسلمٍ يحملُ لَبِنةً لَبِنةً، كانَ عمّارٌ يحملُ لَبِنَتَينِ لَبِنَتَينِ.[12] وتضيف بعضُ المصادرِ أنَّ عَمّارًا كانَ حينئذ في فترةِ نَقاهةٍ منْ مرضٍ أصابهُ، ممّا يبيّن عِظَمَ حبِّهُ للإسلامِ والنّبيِّ ﷺ وتفانيهِ في خدمتِهما. فلمّا رآهُ النّبيُّ ﷺ يُجهد نفسه في حمل اللَّبَنات، نَفَضَ عنه التّرابَ وقال، «وَيْحَ عَمّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ. يَدعُوهُمْ إلى الجَنَّةِ ويَدعُونَهُ إلى النّارِ».
كانَ بناءُ المسجدِ النّبويِّ منْ أولِ أعمالِ النّبيِّ ﷺ في المدينةِ المُنَوَّرَةِ، أيْ كانَ في العامِ الأولِ للهجرةِ. ولمّا كانَ استشهادُ عمّارٍ في معركةِ صِفّينَ عامَ 37 هجريٍّ، فإنَّ هذا يعني بأنَّ النّبيَّ أخبرَ عنِ استشهادِه قبلَ الحدثِ بستةٍ وثلاثينَ عامًا.
هنالك لطيفة لاحظتُها عن اسم «عمّار». فاسمه هو صيغة مبالغة مشتقّة من الفعل «عَمَر»، التي تعني «بَنى»، والفعل «عَمَّر» المُزيَّد بالتضعيف. وهذا يجعل «عمّارًا» اسمًا على مُسمّى، حيث أنه عمَّر بحماس المسجدِ النبوي. طبعا أختار والدا عمّارٍ له هذا الاسم الجميل دون غيره من الأسماء لسبب ما، ولكن كشف اسم عمّار عن مستقبله الجليل الذي في علم الله الأزلي وتحدّث عن واقعة كانت ستجعل النبي ﷺ ينطق بنبوءة ذات دلالات عظيمة.
يبدو أن النبي ﷺ قال ذلك الحديث في أكثر من مناسبة، فيكون هذا أحد أسباب تواتره عن عدد كبير من الصحابة. فبينما قال البعض، بما فيهم البخاري، بأن حديث النبي ﷺ كان أثناء بناء المسجد النبوي، ذكر البعض الآخر، بما فيهم مسلم، بأن مناسبة الحديث كان حفر الخندق. فمثلًا، ذكر أبو داود الطَّيالِسي بأنه أثناء حفر الخندق مسح النبي ﷺ على رأس عمّار وقال، «ويْحَكَ يا ابنَ سُميَّةَ، تَقتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيةُ».[13] كان حفر الخندق في السنة الخامسة للهجرة، بعد أربع سنوات ونصف من بناء المسجد النبوي. من المرجَّح أن النبي ﷺ نطق بهذه النبوءة في أكثر من مناسبة بسبب دلالاتها الكبيرة.
إذاً سَبَقَ هذا الحديثُ الحوادثَ التي أخبرَ بها بأكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ ونصفٍ.
4-2 الشهادة على يدِ بُغاةٍ مسلمين
بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفّان في عام 35 ھ، بايعَ المسلمونَ الإمامَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ على الخلافةِ. فكانَ منَ الولاةِ الذينَ أصدرَ أمرًا باستبدالهم هوَ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والي الشامِ، وقد كانَ لهُ في الولايةِ حينئذٍ سبع عشرةَ سنةً. إلا أنَّ معاويةَ رفضَ مبايعةَ عليٍّ حتى يقتصَّ من قتلةِ عثمانَ، مطالبًا عليًّا بأنْ يُمَكِّنَهُ من قتلِ قتلةِ عثمانَ أوْ يُسَلِّمَهُمْ إليهِ، حيثُ كانَ معاويةُ من بيتِ أميةَ بنِ عبدِ شمسٍ الذي انتسب إليه الخليفةِ عثمانَ.
رفضَ عليٌّ هذا الطلبَ لأسبابٍ عديدةٍ تخصّ الظروف المعقّدة لقتل عثمان، وهي خارج موضوع هذه المقالة.ولكن أحد الأسباب الرئيسة هو أنَّ أيّةَ محاولةِ اقتصاصٍ حينئذٍ كانتْ سترمي المسلمينَ في دوّامةٍ من سفكِ الدماءِ تتجاوزُ بكثيرٍ فتنةَ قتلِ عثمانَ. كان عليُّ يعلم، كما كان يعرف الكثير من الصحابة والناس، بأن طلب معاوية لم يكن أكثر من ذريعةً لعدمِ الاعترافِ بعليٍّ خليفةً شرعيًّا للمسلمينَ، وبالتالي عدم تنفيذ قرار عزلهِ منَ الولايةِ. فما كان معاوية ليترك المنصب الذي استخدمه على مدى سنين ولايته الطويلة لزيادة تأثيره السياسي وثروته ليكون منصة انطلاق طموحه الأكبر في الاستيلاء على قيادة الدولة الإسلامية. ، فرفضُ معاويةَ لمبايعةِ عليٍّ لمْ يكنْ إلا لحرصهِ على البقاءِ في الولايةِ وطمعهِ في أنْ يكونَ هوَ خليفةَ المسلمينَ.
تأكد بطلان ادعاء معاوية حين استولى على السلطة بعد ست سنوات، إذ لم يثأر لمقتل عثمان. بل عندما ذكّرته عائشة ابنة عثمان باصراره القديم على الانتقام لأبيها الذي ما برح ذكره خلال عصيانه للإمام علي، رفض طلبها بدعوى أنه غير واقعي، معترفا بأن الناس لم يبايعوه إلا مقابل وعده لهم بالأمان.[14] أي استغل معاوية اغتيال الخليفة عثمان كذريعة لتعزيز طموحاته السياسية، قبل وبعد تنصيب نفسه «أول الملوك»، كما وصف نفسه.[15]
أدّى رفض معاوية للاعتراف بخلافة علي إلى معركة صِفّين بين جيش الخليفة الشرعي الذي بايعه المسلمون وقوّات والي الشام المعزول. كان عمّار واحد من عشرات الصحابة البدريّين الذين كانوا في جيش علي. حينَ شعرَ عمّار بقربِ وقتِ استشهادهِ، طلبَ قدحًا منَ اللبنِ فشربهُ، وقالَ بأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ قدْ أخبَرَهُ بأنَّ ذلكَ هوَ آخرُ زادِهِ في الدنيا.[16] وفعلًا، استشهد عمّار في صفّين وهو يقاتل ضد جيش معاوية.
باستثناء فئة قليلة، أجمعت الغالبية العظمى من المسلمين في ذلك الوقت وعلى مر العصور على أن جيش الخليفة علي كان على الحق وأن جيش المتمرّد معاوية على الباطل. فيرى علماء المسلمين، بما فيهم أولئك الذين يعتبرون معاوية صحابياً جليلاً، أن مصطلح «الفئة الباغية» الوارد في الآية القرآنية التالية ينطبق على معاوية وجيشه لخروجهم على الخليفة وجيش الدولة:
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحُجُرات 9).
وهكذا، فإن قتل عمّار على يد بغاةٍ من المسلمين، لا من غير المسلمين، كان تصديقًا لنبوءة النبي ﷺ.
4-3 رؤية مستقبليّة بعيدة الاحتمال
حينَ قالَ النبيُّ ﷺ بأن عمارٍ ستقتله طائفةِ باغيةِ، كان وقوعُ المسلمينَ في حربٍ أهليةٍ أمرًا لا يخطرُ على بالِ أحدٍ. فقدْ كانَ المسلمونَ حينئذٍ فئةً قليلةً ضعيفةً يحيطُ بها أعداءٌ أشداءُ كُثرٌ من كلِّ جانبٍ. فلو ظنَّ شخصٌ ما حينئذٍ بأن مسلمًا ما سيُقتَل، فكان الاستنتاج الطبيعي أن يتوقعُ أنْ يكونَ قاتلَهُ من المُشرِكين، أو ربما عدوًا من أهل الكتاب. فما كانَ سيخطرُ ببالِ مسلمٍ أنْ يتصورَ أنْ يكونَ مقتل مسلمٍ في حربٍ أهليةٍ بينَ جيشينِ منَ المسلمينَ، لأنَّ هكذا أمرٌ يمكنُ أنْ يحدثَ فقطْ حينَ يكونُ المسلمونَ كثيرونَ وأقوياءُ ويشبُّ بينهم خلافٌ يصلُ حدَّ الاقتتالِ، وهي حالة كان مجتمع المسلمين الصغير والضعيف أبعد ما يكون عنها وقت نطق الرسول الكريم ﷺ بهذه النبوءة.
5 استخدام «فئة» بدل «طائفة»
أودُّ لَفْتَ الانتباهِ إلى لَطِيفةٍ أخرى. تستخدمُ آية الحُجُرات كلمةَ «طائفة» معَ فعلِ البغيِ، بينما يستخدمُ الحديثُ كلمةَ «فئة». ورغمَ ورودِ كلمةِ «فئةٍ» أحدَ عشرَ مرّةً في القرآنِ، فإنّها لمْ تَرِدْ مرتبطةً بالفعلِ «بَغَى». لذلك، لو كان حديث استشهاد عمار قد صدر عن بعد النبي ﷺ بعد نزول تلك الآية الكريمة، لكان من الطبيعي أن يستخدم ﷺ التعبير القرآني ويصف الفئة الباغية بأنها «طائفة»، لا «فئة». لذلكَ، فإنّي أرى في هذه المفارقة إشارةً لطيفة إلى أنَّ حديثَ النّبيِّ ﷺ كانَ قبلَ نزولِ آيةِ الحجراتِ.
ومن الواضح من الآية أنها نزلت بعد أن كانت قد قويت شوكة المسلمين، فيجب أن يكون ذلك في فترة متأخرة من العهد المدني. هنالك رواية بأن هذه الآية الكريمة نزلت بعد أن أهان مسلمٌ مسلمًا آخر، كما في الرواية التي أخرجها البُخاري:
قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، «لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ»، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكِبَ حِمَارًا. فَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ. فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قال، «إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهُمْ، «وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ». فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَهُ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ. فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ، «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا».[17]
ومن الصعب الجزم فما إذا كانت هذه الرواية تصف حدثًا تاريخيًا، لكن القول بأن مثل هكذا خلاف كان سبباً لنزول آية تتحدث عن «القتال» بين طوائف من المسلمين، أي قتل المسلمين لبعضهم بأعداد كبيرة، هو أمر غير مقنع على الإطلاق. علاوة على ذلك، هنالك إجماع على أن سورة الحجرات نزلت في وقت متأخر جداً بالمدينة، بل ويُقال إن ذلك كان في العام التاسع للهجرة.[18] وهذا يتماشى مع الرواية التي تفيد بأن النبي ﷺ تحدّث عن استشهاد عمّار لأول مرة في بداية الهجرة إلى المدينة أثناء بناء المسجد، أي قبل نزول آية سورة الحجرات.
6 الاستنتاج
إن هذا الحديث النبوي العميق الذي يكرّم واحداً من أجلّ صحابة النبي ﷺ هو نبوءة، وبالتالي فإنه معجزة ودليل من أدلّة نبوته ﷺ. وفضلاً عن طبيعته الإعجازية، فإنه يحمل دلالات تاريخية وعقدية هائلة؛ إذ لا يدع مجالاً للشك في أن معاوية بن أبي سفيان كان باغياً أدى نجاحه في تحقيق طموحه في حكم الدولة الإسلامية الفتيّة عواقب ضارة هائلة على الأمة المسلمة. فليس من العجب أن نرى على مر التاريخ جهوداً متضافرة لتقويض هذا الحديث أو طمس معناه الجليّ من قبل المقربين من الحكّام، أو ممن اعتبروا معاوية صحابياً عادلًا، فجعلهم التعصّب المذهبي يخالفون صراحة ما كشفه النبي ﷺ في حديثه.
إن البيئة والثقافة السياسية التي بدأت فيها مختلف العلوم الإسلامية بالتشكل والتدوين كانت من تأسيس معاوية. لذلك لا يمكن فهم الطبيعة المعقدة، بل وأحيانا كثيرة المتناقضة، لعلوم الإسلام مثل الحديث والتاريخ والتفسير، أو تفكيك بنيتها، لفهم كيفية تطوّرها دون الاعتراف بهذا السياق السياسي التأسيسي. وفي نهاية المطاف، لم يكن نجاح معاوية في تأسيس أول حكم سلالي إسلامي سوى انقلاب دائم على قيم النبي ﷺ وثقافته وإرثه. هذا هو السبب في أن أحداث جرت قبل أربعة عشر قرنًا لازالت حاضرة في تأثيرها على المسلمين أفرادًا وجماعات اليوم كما كانت في حينها.
المصادر
ابن أبي شيبة، عبد الله. «المصنف». تحقيق سعد الشثري (الرياض: دار كنوز إشبيليا، 2015 م).
ابن بطال، أبو الحسن. «شرح صحيح البخاري». تحقيق ياسر بن إبراهيم (الرياض: مكتبة الرشد، 2003 م).
ابن تيمية، تقي الدين أحمد. «منهاج السنة النبوية». تحقيق محمد رشاد سالم. الرياض (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1986 م).
ابن حجر العسقلاني، أحمد. «فتح الباري بشرح البخاري». تحقيق محمد عبد الباقي (القاهرة: المكتبة السلفية، 1380-1390 ھـ).
ابن سعد، محمد. «الطبقات الكبرى». تحقيق علي محمد عمر (القاهرة: الخانجي، 2011 م).
ابن عاشور، محمد الطاهر. «تفسير التحرير والتنوير». (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984 م).
ابن عبد البر، يوسف. «الاستيعاب في معرفة الأصحاب». تحقيق عبد المحسن التركي (مصر: مركز هجر، 2019 م).
ابن عبد ربه، محمد. «العقد الفريد». (بيروت: دار الكتب العلمية، 1404 ھـ)
البخاري، محمد. «الصحيح». تحقيق مصطفى البغا (دمشق: دار ابن كثير، 1993 م).
الحاكم النيسابوري، محمد. «المستدرك على الصحيحين». تحقيق مصطفى عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002 م).
الطيالسي، أبو داود. «المسند». تحقيق محمد التركي (مصر: دار هجر، 1999 م).
مسلم، أبو الحسين. «الصحيح». تحقيق محمد عبد الباقي (القاهرة: دار الحديث، 1991 م).
البيهقي، أحمد بن الحسين. «دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة» تحقيق عبد المعطي قلعجي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988 م)
[1] الحاكم، «المُستَدرَكُ»، 5666.
[2] مُسلم، «الصّحيح»، 2915.
[3] مُسلم، «الصّحيح»، 2916.
[4] البخاريّ، «الصّحيح»، 447.
[5] البخاريّ، «الصّحيح»، 2812.
[6] البيهقي، «دلائل النبوّة»، ج 2، 546.
[7] ابن تيمية، «منهاج السنّة النبوية»، ج 4، 515.
[8] ابن بطّال، «شرح صحيح البخاري»، ج 5، 27.
[9] ابن حجر العسقلاني، «فتح الباري»، ج 1، 542.
[10] ابن حجر العسقلاني، «فتح الباري»، ج 1، 543.
[11] ابن سعد، «الطبقات الكُبرى»، ج 3، 234.
[12] البخاريّ، « الصّحيح»، 436.
[13] الطَّيالِسِي، «المُسند»، 637.
[14] ابن عبد ربّه، «العقد الفريد»، ج 5، 113.
[15] ابن أبي شيبة، «المصنَّف»، 32746؛ ابن عبد البرّ، «الاستيعاب»، ج 3، 455.
[16] ابن سعد، «الطبقات الكُبرى»، ج 3، 195.
[17] البخاريّ، « الصّحيح»، 2545.
[18] ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، الحُجُرات 9.

